العودة   ملتقى نسائم العلم > ملتقى القرآن والتفسير > ملتقى القرآن والتفسير

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 09-08-2020, 02:00 AM
الصورة الرمزية أم أبي التراب
أم أبي التراب أم أبي التراب غير متواجد حالياً
غفر الله لها
 
تاريخ التسجيل: May 2017
المشاركات: 3,537
Post نظرات وتأملات في خصائص سورة الكهف

نظرات وتأملات في خصائص سورة الكهف
الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ كَكَلَامِ الْبَرِيَّةِ:عند تلاوتِنا وتدبرِنا للقرآنِ لابدّ منِ استشعار أنْ هذا كلام اللهِ عز وجل، تَكَلَم به حقيقةً هُدى للناسِ.هذا يعطي إجلالًا وهيبةً وهمةً عاليةً لتلاوتِهِ وتدارسِهِ للعملِ بِهِ ، أنزلَهُ اللهُ سبحانه وتعالى من السماءِ إلينا لنتمسك به.
قال صلى الله عليه وسلم
"
إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ سَبَبٌ طَرَفَهُ بِيَدِ اللَّهِ،وَطَرَفَهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَتَمَسَّكُوا بِهِ؛فَإِنَّكُمْ لَنْ تَضِلُّوا، وَلَنْ تَهْلَكُوا بَعْدَهُ أَبَدًا". "الراوي : أبو شريح العدوي خويلد بن عمرو -المحدث : الألباني -المصدر : صحيح الترغيب الصفحة أو الرقم: 38 خلاصة -حكم المحدث : صحيح .
سببٌ: بمعنى حبل . استشعار الإنسان الذي يغرق،استشعار الإنسان في الفتن أن
الله أنزل إليه سببًا، أنزل إليه حبلًا ،فتمسك بالحبل، كشعورك كمن كان في سفينة ثم سقط منها في البحر والرياح والأمواج تتلاطمه ،ثم نزل إليه سببٌ ؛حبلٌ،كيف يتعامل مع هذا السببِ؟ يتمسك به،فكذلك ينبغي للإنسان أن يتعامل مع القرآن بهذا النهج ، أن الله سبحانه وتعالى أنزل إليه هذا السبب؛هذا الحبل في وسط الظلمات؛في وسط الفتن ،قال تعالى"الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ "إبراهيم:1.

إن تصرفاتنا وحركاتنا وسكناتنا ينبغي أن تكون لله رب العالمين؛ إن تحركات المسلم ليست تحركاتٍ طائشةً، وإن تصرفات المسلم ليست تصرفاتٍ هَوْجَاء؛ لأنها يجب أن تكون منضبطةً بنور هذه الشريعة، وينبغي أن يكون نور الوحيين هو الذي يعمل عمله وفعله في قلوب الناس في أوقات الشدائد، وإذا كان للجوارح أعمالٌ كالصلاة والحج والجهاد، فإن للقلوب أعمالًا أعظم من ذلك بكثير؛ لأن عمل القلب ينبني عليه صلاح عمل الجوارح أو فسادها.إسلام ويب.
قال صلى الله عليه وسلم" ....
ألَا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً: إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألَا وهي القَلْبُ." صحيح البخاري.

ذَكَر النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كَلمةً جامعةً لصَلاحِ حرَكاتِ بَني آدَمَ وفَسادِها، وهي أنَّ أساسَ صلاحِ الجَسدِ كُلِّه وأساسَ فسادِه مبنيٌّ على صلاحِ القَلْبِ وفَسادِه؛ فإذا صلَحَ القلبُ صلَحَت إرادتُه، وصلَحَت جَميعُ الجوارحِ، فلم تَنبعِثْ إلَّا إلى طاعةِ اللهِ، واجتنابِ سَخَطِه، فقَنِعَتْ بالحلالِ عن الحرامِ، وإذا فسَدَ القلبُ فسَدَتْ إرادتُه، ففسَدَتِ الجوارحُ كلُّها، وانبعثَتْ في مَعاصي اللهِ عزَّ وجلَّ، وما فيه سَخَطُه، ولم تَقنَعْ بالحلالِ، بلْ أسرَعَتْ في الحرامِ بحسَبِ هَوى القلبِ ومَيلِه عنِ الحقِّ.الدرر.

وقفات وتأملات في بعض خصائص سورة الكهف:

سورة الكهف سورة مكية تضمنت أربع قصص،، قصة أصحابِ الكهفِ، وقصة صاحب الجنتين ، وقصة موسى والْخَضِر، وقصة ذي القرنين.
وكل قصة من هذه القصص وراءها أهداف ومعان عظيمة و يربط القصص محور واحد وهو أنها تجمع الفتن الأربعة في الحياة، فتنة الدين: قصة أصحاب الكهف، وفتنة المال والنعمة :قصة صاحب الجنتين، وفتنة العلم : قصة موسى مع الخضر، وفتنة السُّلْطَةِ :قصة ذي القرنين.
والفتن الأربع التي وردت في سورة الكهف من خلال القصص القرآني المعجز هي الاختبار والامتحان للإنسان، وفتن الحياة الدنيا لا تتعدى هذه الأربع المذكورة في سورة الكهف، إلا أن من أعظم الفتن أن يفتتن الإنسان في دينه وفي سبيل دينه.
يجمع هذه القصص الأربع معنى واحد وهو الفتنة وأسباب النجاة منها.
ومن الملاحظ أن اسم السورة: الكهف، يناسب مقصودَها، فمقصود الكهف: سِترُ ووقاية من بداخله من الريحِ والمطرِ والشمسِ وغيرِها، ومقصود هذه السورة: الوقاية من الفتن المختلفة.
*الفتنة الأولى: فتنة الدين في قصة أهل الكهف، "إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى" آمنوا بالله وحده لا شريك له من دون قومهم، فشكر الله لهم إيمانهم، فزادهم هدى، أي: بسبب أصل اهتدائهم إلى الإيمان، زادهم الله من الهدى، الذي هو العلم النافع، والعمل الصالح، كما قالتعالى"وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى"مريم: 76. شباب آمنوا بربهم في أناس مشركين ، وعَلِمُوا حقَّ اللهِ تعالى في قوم جاهلين؛ فكان ذلك سببًا لفتنتهم في دينهم، فلم يستسلموا لقومِهم، ولم يتبعوهم في ضلالهم، بل أعلنوا توحيدهم لله تعالى، كما أعلنوا براءتهم مما يعبد قومهم."وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا "14."هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا"15.
ثم أَتْبَعُوا القولَ بالعملِ فَتَبَرَّؤُوا من المشركينَ واعتزلوهم، وآووا إلى الكهف فِرارًا بدينهم، فكان جزاؤهم في الدنيا تلك الكرامة العظيمة بنومتهم في الكهف ثلاثمئة سنة وازدادوا تسعًا في كهفهم، ونجاتهم من الكفار وكيدهم.
"
وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا"15.
وَقَوْله " وَيُهَيِّئ لَكُمْ مِنْ أَمْركُمْ مِرْفَقًا " يَقُول : وَيُيَسِّر لَكُمْ مِنْ أَمْركُمْ الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ مِنْ الْغَمّ وَالْكَرْب خَوْفًا مِنْكُمْ عَلَى أَنْفُسكُمْ وَدِينكُمْ مِرْفَقًا , وَيَعْنِي بِالْمِرْفَقِ : مَا تَرْتَفِقُونَ بِهِ مِنْ شَيْء .تفسير ابن كثير.
أي: ما تنتفعون به في عيشكم .
وفيما تقدم، أخبر أنهم دَعُوه بقولِهم "إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا" 10. فجمعوا بين التبري من حولهم وقوتهم، والالتجاء إلى الله في صلاح أمرهم، ودعائه بذلك، وبين الثقة بالله أنه سيفعل ذلك، لا جرم أن الله نشر لهم من رحمته، وهيأ لهم من أمرهم مِرفقًا، فحفظ أديانهم وأبدانهم، وجعلهم من آياتِهِ على خلقِهِ، ونشر لهم من الثناء الحسن، ما هو من رحمته بهم، ويسر لهم كل سبب، حتى المحل الذي ناموا فيه، كان على غاية ما يمكن من الصيانة.تفسير السعدي.
ثم تشير الآيات إلى أسباب النجاة من فتنة الدين، بالثبات على المبدأ، وملازمة الصحبة الصالحة، مع مجانبة أهل الغفلة وأَتْبَاع الهوى، وتَذَكُّر الآخرة:
"
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا * وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا"الكهف:28-29.
أي احبسها مع هؤلاء الذين يدعون الله دعاء مسألة ودعاء عبادة، اجلس إليهم وقوِّ عزائمهم.. " الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ " أي: أول النهار وآخره يريدون بذلك وجه الله.
فوصفهم بالعبادة والإخلاص فيها.

"يُرِيدُونَ وَجْهَهُ" مخلصين لله عزّ وجل يريدون وجهه ولا يريدون شيئًا من الدنيا، يعني أنهم يفعلون ذلك لله وحده لا لأحدٍ سواه.ففيها الأمر، بصحبة الأخيار، ومجاهدة النفس على صحبتهم, ومخالطتهم وإن كانوا فقراء فإن في صحبتهم من الفوائد, ما لا يُحصى.
" وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ " أي: لا تجاوزهم بصرك, وترفع عنهم نظرك.
" تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا " فإن هذا ضار غير نافع, وقاطع عن المصالح الدينية. فإن ذلك يوجب تعلق القلب بالدنيا، فتصير الأفكار والهواجس فيها وتزول من القلب، الرغبة في الآخرة, فإن زينة الدنيا, تروق للناظر, وتسحر القلب, فيغفل القلب عن ذكر الله, ويقبل على اللذات والشهوات فيضيع وقته, وينفرط أمره, فيخسر الخسارة الأبدية, والندامة السرمدية ولهذا قال: " وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا " غفل عن الله, فعاقبه بأن أغفله عن ذكره.
" وَاتَّبَعَ هَوَاهُ " أي: صار تبعا لهواه, حيث ما اشتهت نفسه فعله, وسعى في إدراكه, ولو كان فيه هلاكه وخسرانه, فهو قد اتخذ إلهه هواه كما قال تعالى "
أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ " الآية. الجاثية:23.
" وَكَانَ أَمْرُهُ " أي: مصالح دينه ودنياه " فُرُطًا " أي: ضائعة معطلة.
تمضي الأيام والليالي ولا ينتفع بشيء "وَكَانَ أَمْرُهُ" أي شأنه "فُرُطًا" .فهذا قد نهى الله عن طاعته, لأن طاعته تدعو إلى الاقتداء به, ولأنه لا يدعو إلا لما هو متصف به.
والصبر, المذكور في هذه الآية, هو الصبر على طاعة الله, الذي هو أعلى أنواع الصبر, وبتمامه يتم باقي الأقسام.

*الفتنة الثانية: فتنة المال في قصة صاحب الجنتين الذي أسبغ الله عليه نِعَمَهُ، فكفر بأنعمِ اللهِ ونسيَ أمرَ الساعةِ، وتكبر على الناس بمالِه، فأذهب الله تعالى زهرة جنته، وجعلها خرابًا ً،"وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا" الكهف:42. يقول ماذا؟ هل تمنى جنة أخرى؟ أو جنة أحسن منها؟ لا، لقد أيقن أن الأرض كلها لا تساوي شيئا مع الشرك بالله، فقال"يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا"الكهف:42. فالحمد لله الذي جعلنا من عباده المؤمنين، وما جعلنا من المشركين.
إن فتنة المال من أعظم الفتن قديمًا وحديثًا، وزادت الفتنة به في هذا العصر بسبب سيادة النظم الرأسمالية على أسواق المال والأعمال في العالم.
فمَنْ فُتِنَ بالمالِ فعطَّلَ الفرائضَ، وجاوزَ الحلالَ إلى الحرامِ، فليأخذ عبرة وعظة من قصة صاحب الجنتين.
"وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ" الباقيات الصالحات، وهذا يشمل جميع الطاعات الواجبة والمستحبة من حقوق الله، وحقوق عباده، من صلاة، وزكاة، وصدقة، وحج، وعمرة، وتسبيح، وتحميد، وتهليل، وتكبير، وقراءة، وطلب علم نافع، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، وصلة رحم، وبر والدين، وقيام بحق الزوجات، والمماليك، والبهائم، وجميع وجوه الإحسان إلى الخلق، كل هذا من الباقيات الصالحات، فهذه خير عند الله ثوابا وخير أملا، فثوابها يبقى، ويتضاعف على الآباد، ومعنى " خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا " أنها دائمة باقية وخيرات الدنيا منقرضة فانية ، والدائم الباقي خير من المنقرض المنقضي . "وَخَيْرٌ أَمَلًا " أي وخير رجاء لأن صاحبها يأمل في الدنيا ثواب الله ونصيبه في الآخرة دون ذي المال والبنين العاري من الباقيات الصالحات فإنه لا يرجو ثوابًا .
ويُؤمَل أجرُهَا وبِرُّهَا ونَفْعُهَا عند الحاجةِ، فهذه التي ينبغي أن يتنافس بها المتنافسون، ويستبق إليها العاملون، ويجد في تحصيلها المجتهدون، وتأمل كيف لما ضرب الله مثل الدنيا وحالها واضمحلالها ذكر أن الذي فيها نوعان: نوع من زينتها، يتمتع به قليلا، ثم يزول بلا فائدة تعود لصاحبه، بل ربما لحقته مضرته وهو المال والبنون ونوع يبقى وينفع صاحبه على الدوام، وهي الباقيات الصالحات.
ولينظر في ما بعدها من آيات تبين سبيل النجاة من فتنة المال، بالقناعة
والزهد وفهم حقيقة الدنيا وغرورها، وتذكر الآخرة.
"وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا"الكهف:45-46.
ولينظر بعدها إلى الدار بالآخرة وشدة الحساب والكتاب الذي يُحصِي الصغيرةَ والكبيرةَ؛ كما يُحصِي التجارُ في الدنيا المالَ ويرصدونَهُ.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 09-08-2020, 06:31 PM
الصورة الرمزية أم أبي التراب
أم أبي التراب أم أبي التراب غير متواجد حالياً
غفر الله لها
 
تاريخ التسجيل: May 2017
المشاركات: 3,537
Post


*الفتنة الثالثة:فتنة العلم:
وتتمثل في قصة موسى مع الخَضِر:
ظنّ موسى عليه السلام أنه أعلم أهل الأرض ولا يوجَد مَن هو أعلَم مِنه.فَأوْحى اللهُ لَه أنَّ هُناكَ رَجُلًا اسْمُه الخَضِرُ عنده علم ليس عند موسى عليه السلام.

قال البخاري في صحيحه:حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو ، قَالَ : أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : إِنَّ نَوْفًا البَكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ، إِنَّمَا هُوَ مُوسَى آخَرُ ؟ فَقَالَ : كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " قَامَ مُوسَى النَّبِيُّ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَسُئِلَ أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ ؟ فَقَالَ : أَنَا أَعْلَمُ ، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، إِذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إِلَيْهِ ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ : أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ ، هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ . قَالَ : يَا رَبِّ ، وَكَيْفَ بِهِ ؟ فَقِيلَ لَهُ : احْمِلْ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ ، فَإِذَا فَقَدْتَهُ فَهُوَ ثَمَّ ، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقَ بِفَتَاهُ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ ، وَحَمَلاَ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ ، حَتَّى كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَضَعَا رُءُوسَهُمَا وَنَامَا ، فَانْسَلَّ الحُوتُ مِنَ المِكْتَلِ فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ سَرَبًا ، وَكَانَ لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا ، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمَهُمَا ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ : آتِنَا غَدَاءَنَا ، لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ، وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى مَسًّا مِنَ النَّصَبِ حَتَّى جَاوَزَ المَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ ، فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ "أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ" قَالَ مُوسَى " ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا " فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ ، إِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ ، أَوْ قَالَ تَسَجَّى بِثَوْبِهِ ، فَسَلَّمَ مُوسَى ، فَقَالَ الخَضِرُ : وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلاَمُ ؟ فَقَالَ : أَنَا مُوسَى ، فَقَالَ : مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا قَالَ : إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ، يَا مُوسَى إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لاَ تَعْلَمُهُ أَنْتَ ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ عَلَّمَكَهُ لاَ أَعْلَمُهُ ، قَالَ : سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا ، وَلاَ أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ، فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ ، لَيْسَ لَهُمَا سَفِينَةٌ ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ ، فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا ، فَعُرِفَ الخَضِرُ فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ ، فَجَاءَ عُصْفُورٌ ، فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ ، فَنَقَرَ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ فِي البَحْرِ ، فَقَالَ الخَضِرُ : يَا مُوسَى مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا كَنَقْرَةِ هَذَا العُصْفُورِ فِي البَحْرِ ، فَعَمَدَ الخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ ، فَنَزَعَهُ ، فَقَالَ مُوسَى : قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا ؟ قَالَ : أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ؟ قَالَ : لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا - فَكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا - ، فَانْطَلَقَا ، فَإِذَا غُلاَمٌ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ ، فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلاَهُ فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ ، فَقَالَ مُوسَى : أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ ؟ قَالَ : أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ؟ - قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : وَهَذَا أَوْكَدُ - فَانْطَلَقَا ، حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا ، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا ، فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ ، قَالَ الخَضِرُ : بِيَدِهِ فَأَقَامَهُ ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى : لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ، قَالَ : هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى ، لَوَدِدْنَا لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا" .صحيح البخاري / كتاب العلم/باب ما يستحب للعالم إذا سئل: أي الناس أعلم؟ فيكل العلم إلى الله/حديث رقم 121 .
" قَامَ مُوسَى النَّبِيُّ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَسُئِلَ أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ ؟ فَقَالَ : أَنَا أَعْلَمُ " إن موسى عليه السلام عندما سُئِل هذا السؤال من أعلم أهل الأرض أجاب إجابة يحسب أنها صائبة نظرًا للقرائن والمميزات المتوفرة فيه، حيث كان نبيًّا ورسولًا من أولي العزم من الرسل وكَلِيم اللهِ الذي كلمه تكليمًا ،وصاحب المعجزات الكثيرة، وهو الذي أَنزلَ اللهُ عليه التوراة، فرأى موسى أن يجيب بقوله أنا، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يُعلّم موسى عليه السلام أن العلم أوسع من أن يُدْرَك كلُّه، فالعلم واسع ومتشعب الاختصاصات، ولا يمكن لبشرٍ أن يحيط بكل العلوم والمعارف يقول الله " وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ "يوسف:76. فمهما أوتي العالم من العلم فإن علمَهُ يبقى محدودًا وقليلًا " وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا " الإسراء:85.

فَأوْحى اللهُ لَه أنَّ هُناكَ رَجُلًا اسْمُه الخَضِرُ عنده علم ليس عند موسى عليه السلام.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" إنَّما سُمِّيَ الخَضِرَ أنَّهُ جَلَسَ علَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ، فَإِذَا هي تَهْتَزُّ مِن خَلْفِهِ خَضْرَاءَ." صحيح البخاري.

وفي هذا الحديثِ سببُ تسميةِ الخَضِر بهذا الاسمِ، وهو أنَّه جلَس على فَروةٍ بيضاءً، أي: جلَس على أرضٍ يابسةٍ، فإذا هي تهتزُّ مِن خَلفِه خضراءَ، أي: أنبتَتْ وخرَج منها الزَّرعُ بمجرَّدِ جلوسِه عليها، وقيل: أراد به الهشيمَ مِن نباتِ الأرضِ، اخْضَرَّ بعدَ يُبسِه وبياضه، فإن كان الخَضِرُ نبيًّا فهي مِن معجزاتِه الَّتي أجراها اللهُ على يديهِ، وإنْ كان وليًّا فهي إحْدى كَراماتِه الَّتي يخصُّ اللهُ بها مَن يشاءُ مِن عبادِه الصَّالحين.الدرر.

قَالَ موسى عليه السلام : يَا رَبِّ ، وَكَيْفَ بِهِ ؟ فَقِيلَ لَهُ : احْمِلْ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ ، فَإِذَا فَقَدْتَهُ فَهُوَ ثَمَّ "

و المِكْتَل هو الزنبيل ، فَإِذَا فَقَدْتَهُ فَهُوَ ثَمَّ:أي المكان الذي تفقد فيه الحوت هو مكان وجود الخَضِر ، فَسافَرَ إليه موسى عليه السَّلامُ لشدة رغبته في الخير وطلب العلم، حيث قال لفتاه - أي: خادمه الذي يلازمه في حضره وسفره، " لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ" أي: لا أزال مسافرًا وإن طالت علي الشقة، ولحقتني المشقة، حتى أصل إلى مجمع البحرين، وهو المكان الذي أوحي إليه أنك ستجد فيه عبدًا من عباد الله العالمين، عنده من العلم، ما ليس عندك.

"فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقَ بِفَتَاهُ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ ، وَحَمَلاَ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ ، حَتَّى كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَضَعَا رُءُوسَهُمَا وَنَامَا ، فَانْسَلَّ الحُوتُ مِنَ المِكْتَلِ فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ سَرَبًا "
سلك الحوت سبيله في البحر، فأمسك الله جريه الماء، حتى صارت على الحوت مثل الطاق، يعني: صار منفذ الحوت في البحر كأنه في حجر، يعني: محفور السرب هذا الذي دخل فيه الحوت كأنه محفور في الحجر، يعني: لما دخل الحوت ما رجع الماء مرة أخرى، وإنما بقي مثل لما ضرب موسى ، البحر فانفلق فصار فيه طريقًا يبسًا، أمسك الله عن الماء خاصية الرجوع مرة أخرى.

قال موسى" ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا" الكهف: 64، يعني: نحن نريد أن نفقد الحوت حتى نعرف المكان الذي نفقد فيه الحوت، فنعرف مكان الرجل الصالح ، فرجعا يقصان - يتتبعان- آثارهما حتى أتيا الصخرة.
"فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ ، إِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ"
كان هذا الرجل الخضر، فذهب للقائه والتعلم منه، وَحَدَثَتْ بَينَهما حَوادِثُ خَرقِ السَّفينةِ، وقَتلِ الغُلامِ، وَبِناءَ الجِدارِ، تَبَيَّنَ مِنها لموسى عليه السَّلامُ "وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا" حَيثُ تَبَيَّنَ لَه مَدى عِلمِ الخَضِر بِما أعْلَمه اللهُ مِن الغُيوبِ وَحَوادِث القُدرةِ مِمَّا لا تَعلَم الأنبياءُ مِنه إِلَّا ما أُعلِموا بِه مِن الخالِقِ عَزَّ وَجَلَّ.
فلم يصبر على ما فعله الْخَضِر في الثلاث قصص،لقصور علمه عن الحكمة في أفعاله.
"أَمَّا السَّفِينَةُ" التي خرقتها "فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ" يقتضي ذلك الرقة عليهم، والرأفة بهم. " فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا"أي: كان مرورهم على ذلك الملك الظالم، فكل سفينة صالحة تمر عليه ما فيها عيب غصبها وأخذها ظلما، فأردت أن أخرقها ليكون فيها عيب، فتسلم من ذلك الظالم.
"وَأَمَّا الْغُلَامُ" الذي قتلته " فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا"وكان ذلك الغلام قد قدر عليه أنه لو بلغ لأرهق أبويه طغيانا وكفرا، أي: لحملهما على الطغيان والكفر، إما لأجل محبتهما إياه، أو للحاجة إليه أو يحدهما على ذلك، أي: فقتلته، لاطلاعي على ذلك، سلامة لدين أبويه المؤمنين، وأي فائدة أعظم من هذه الفائدة الجليلة؟" وهو وإن كان فيه إساءة إليهما، وقطع لذريتهما، فإن الله تعالى سيعطيهما من الذرية، ما هو خير منه، ولهذا قال"فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا "أي: ولدًا صالحًا، زكيًا، واصلًا لرحمه، فإن الغلام الذي قتل لو بلغ لعقهما أشد العقوق بحملهما على الكفر والطغيان.
"وَأَمَّا الْجِدَارُ" الذي أقمته " فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا"أي: حالهما تقتضي الرأفة بهما ورحمتهما، لكونهما صغيرين عدما أباهما، وحفظهما الله أيضا بصلاح والدهما.

العبد الصالح يحفظه الله في نفسه وفي ذريته " وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا" . السعدي .فصلاح الأب ممتد الأثر ودائم النفع ، إذ في الآية دعوة لأن يبدأ الآباء بتربية أنفسهم قبل تربية أبناءهم ، فستكون الثمار يانعة وباقية .صيد الفوائد.
" فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا" أي: فأراد ربك أن يكبَرا ويبلغا قوتهما، ويستخرجا كنزهما.
"رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ" أي: هذا الذي فعلته رحمة من الله، آتاها الله عبده الخضر،
والمال قد يكون رحمة وإن كان مكنوزًا.

"وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي"أي: أتيت شيئا من قبل نفسي، ومجرد إرادتي، وإنما ذلك من رحمة الله وأمره.

"ذَلِكَ" الذي فسرته لك " تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا"
ثم تأتي آية العصمة من فتنة العلم بنسبته لله –تعالى- وبالتواضع للحق والخلق، وعدم الغرور بالعلم، فها هو الْخَضِر -عليه السلام- لم يغترَّ بعلمه، بل نسب ذلك إلىالله تعالى؛ اعترافًا بفضله وحمدًا له فقال"
وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي"الكهف:82. ويتواضع له موسى بقوله"قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا"الكهف:69.
فوطن موسى عليه السلام نفسه على الصبر ولم يفعل.
قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ"يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، لَوَدِدْنا لو صَبَرَ" صحيح البخاري.
وفي رواية أخرى قال صلى الله عليه وسلم"يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى ، لَوَدِدْنَا لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا"صحيح البخاري-كتاب العلم - باب ما يستحب للعالم إذا سئل: أي الناس أعلم؟ فيكل العلم إلى الله –حديث :121.

وهو بَيانٌ لرَغبتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يَلتزِمَ مُوسى عليه السَّلامُ بشَرْطِ الصَّبرِ مع الخَضِرِ حتَّى يُقَصَّ عَلَيْنا مِن الأعاجيبِ والغرائبِ التي كانت ستُصاحِبُهما في رِحلتِهما.

ثم بيّن الله في نهاية هذه القصة طريق العصمة من هذه الفتنة فتنة العلم وذلك بالصبر على طلب العلم ،مع التواضع وعدم الغرور والاستكبار بالعلم " قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا "الكهف: 69 .
ونسبة ذلك إلى الله تعالى؛ اعترافًا بفضله وحمدًا له.
"
وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي"الكهف:82."
فالعلم النافع رزق من الله لا يعطيه الله الا لمن يحب،فمن رزق العلم النافع فقد أراد الله به خيرا،وهو رزق تتعلق به سعادة الدنيا والآخرة.
قال صلى الله عليه وسلم"مَن يُرِدِ اللَّهُ به خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ". الراوي : معاوية بن أبي سفيان-صحيح مسلم.



الفتنة الرابعة: فتنة السلطان:

عن عيَاض بن حِمَار،أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، قالَ ذَاتَ يَومٍ في خُطْبَتِهِ" ...... ، وَأَهْلُ الجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ القَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ...." صحيح مسلم.

وأهلُ الجنَّةِ ثلاثةٌ، أي: ثلاثةُ أجناسٍ مِنَ الأشخاصِ، الأوَّلُ: ذو سلطانٍ، أي: حَكَمٌ، مُقسِطٌ، أي: عادلٌ، مُتصدِّقٌ، أي: مُحسِنٌ إلى النَّاسِ، مُوفَّقٌ، أي: الَّذي هُيِّئَ له أسبابُ الخيرِ، وفُتحَ له أبوابُ البِرِّ.
والثَّاني: رجلٌ رَحيمٌ، أي: رحيم - على الصَّغيرِ والكبيرِ رقيقُ القلبِ لكلِّ ذي قُربى خُصوصًا. ومُسلمٍ، أي: لكلِّ مُسلِمٍ عمومًا.
والثَّالثُ: عَفيفٌ، أي: مُجتَنِبٌ عمَّا لا يَحلُّ، مُتعفِّفٌ، أي: عَنِ السُّؤالِ، مُتوكِّلٌ على الملِكِ المتعالِ في أمْرِه، ذُو عِيالٍ، أي: لا يحمِلُه حُبُّ العيالِ ولا خوفُ رزقِهم على ترْكِ التَّوكُّلِ بِارتكابِ سُؤالِ الخلْقِ، وتحصيلِ المالِ الحرامِ والاشتغالِ بهم عَنِ العلمِ والعملِ مِمَّا يجبُ عليه، ويُحتملُ أنَّه أشارَ بِالعَفيفِ إلى ما في نَفْسِه مِنَ القوَّةِ المانعةِ عَنِ الفواحشِ، وبِالمتعفِّفِ إلى إبرازِ ذلك بِالفعلِ واستعمالِ تلكَ القوَّةِ؛ لإظهارِ العفَّةِ عَن نفسِه. الدرر.

-قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ : كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي بِالسَّوْطِ ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ خَلْفِي ، اعْلَمْ ، أَبَا مَسْعُودٍ ، فَلَمْ أَفْهَمِ الصَّوْتَ مِنَ الْغَضَبِ ، قَالَ : فَلَمَّا دَنَا مِنِّي إِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا هُوَ يَقُولُ: اعْلَمْ ، أَبَا مَسْعُودٍ ، اعْلَمْ ، أَبَا مَسْعُودٍ ، قَالَ : فَأَلْقَيْتُ السَّوْطَ مِنْ يَدِي . فَقَالَ " اعْلَمْ ، أَبَا مَسْعُودٍ ، أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ " . قَالَ : فَقُلْتُ : لَا أَضْرِبُ مَمْلُوكًا بَعْدَهُ أَبَدًا ،.... غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ ، فَسَقَطَ مِنْ يَدِي السَّوْطُ مِنْ هَيْبَتِهِ".صحيح مسلم/كِتَابُ الْأَيْمَانِ/بَابُ صُحْبَةِ الْمَمَالِيكِ ، وَكَفَّارَةِ مَنْ لَطَمَ عَبْدَهُ/حديث رقم 3236.

"كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي، فَسَمِعْتُ مِن خَلْفِي صَوْتًا: اعْلَمْ، أَبَا مَسْعُودٍ، لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عليه، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هو رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، هو حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ، فَقالَ" أَما لو لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ، أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ".الراوي : أبو مسعود عقبة بن عمرو - المحدث : مسلم - المصدر : صحيح مسلم- الصفحة أو الرقم: 1659 - خلاصة حكم المحدث : صحيح.





اعلمْ أبا مسعودٍ، أنَّ اللهَ تعالى أقدَرُ عليكَ منكَ على هذا الغلامِ، أي: فاحْذَرِ انتقامَه، ولا تَحملْكَ قدرتُكَ على ذلكَ المملوكِ، أنْ تَتعدَّى فيما مَنعَ اللهُ منه، مِن ضرْبِه عُدوانًا.الدرر السنية.

وفتنة السلطان تتمثل في في قصة ذي القرنين، الملك العادل الذي مَلَكَ مشارقَ الأرضِ ومغاربَهَا، وآتاه الله تعالى من كل شيء سببًا."وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا" آتاه الله كل أسباب التمكين ،كان عند ذي القرنين جنود، جيش، أسلحة، أموال.إنها فتنة السلطان الغالب والقوة القاهرة، التي تقود إلى البطش والظلم والأثرة، ونجد علاج هذه الفتنة في صفات هذا الملك الصالح الذي لم يتجبر بسلطانه، ولم يستعل على الناس بقوته؛ بل قام بإحقاق الحق وإزهاق الباطل وإقامة العدل، ورفع الظلم، ونصر المظلوم.
وآتيناه من كل شيء سببًا، يعني فتحنا له الطرق للحصول على أسباب القوة، يسرناها له من علم، وقدرة، وآلة، وعقل، فَأَتْبَعَ سَبَبًا، أي سلك السبل الموصلة إلى تحقيق أسباب القوة، والحصول عليها، إذًا فتح الله الطرق وهو سلكها و استثمرها بحول من الله وقوة.
فقد ثبت إيمانه وعدله في قوم ظهر عليهم ،وخَيَّرَهُ اللهُ –تعالى- فيهم، فحكمَ فيهم بحكمِ الشريعةِ العادلةِ "قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا"الكهف:88.

"أَمَّا مَنْ ظَلَمَ" بالكفر " فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا" أي: تحصل له العقوبتان، عقوبة الدنيا، وعقوبة الآخرة.تفسير السعدي.
ثم ظهر تسخيرُه لسلطانهِ وقوتهِ في طاعة الله
؛ من رفع الظلم، ونصرة المستضعفين، عندما مر بقوم من الترك شَكُوا إليه إغارة يأجوج ومأجوج عليهم، ورجوه أن يبني حاجزًا يحجزهم عنهم مقابل مال يدفعونه إليه، فتعفَّف عن جُعْلِهم، وبادر إلى نجدتهم وبناء السد، معترفًا بفضلِ اللهِ تعالى عليه بالسلطان والمال "قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا "الكهف:94-95"

أي: ما أعطاني ربي من المُلْكِ والمالِ خير من خراجكم، وطلب معونتهم على بناء السد- وانظر إلى حُسن سياستِهِ حينما أشركهم في العمل والبناء- هنا تبرز الموهبة العظيمة لذي القرنين في استثمار الطاقات البشرية، وفي نقل الناس المتخلفين إلى ناس منتجين، وتحويل الناس الكسالى إلى قوم عاملين،ثم وضع لهم مخطط العمل، وطلب منهم طلبات محددة، وأنت إذا أردت أن تنقل ناس كسالى من عالم الخمول إلى عالم العمل، ليس فقط أن تخطب فيهم خطبة عصماء، وتقول: ألا تريدون العمل، ألا تقومون يجب عليك القيام بنشاط، وإنما تضع خطة، وتطالبهم بالعمل بناء على هذه الخطة، وهناك أهداف محددة" آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ" الكهف:96. اجمعوا لي قطع الحديد، وذو القرنين عنده قوة ممكن يجمع بالاستغناء عنهم، لكن هو يريد أن يحول هذه الأمة الفاشلة، المتخلفة، الكسولة، إلى أمة منتجة، تساعد، وتعمل، وتشتغل، وتنتج.هاتوا قطع الحديد فإذًا جمعوا قطع الحديد، وارتفعت القطع بعضها فوق بعض، وصارت كومًا كبيرًا، حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ "الكهف: 96. بين الجبلين، إذًا الثغرة هذه سدت، صار بين الجبلين كله قطع حديد، "حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ "الكهف: 96. ساوهما، أي الجبلين،" قَالَ انْفُخُوا " الكهف: 96، هذا عمل آخر، تؤججون نارًا، لكي ينصهر هذا الحديد، ويلتحم بعضه مع بعض، وإيقاد النار يحتاج إلى نفخ بالمنافخ" حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا"الكهف: 96. والحديد إذا أوقد عليه، يصبح كالنار، "حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا" أي: نحاسًا مذابًا، فأفْرَغَ عليه القِطْرَ، فاسْتَحْكَمَ السدُّ استحكامًا هائلًا، وامتنع من وراءه من الناس، من ضرر يأجوج ومأجوج.، وهذا النحاس المذاب سيغلف هذا السد الحديدي الذي انصهر فكان قطعة واحدة، التحم بعضه ببعض من الحرارة، ثم أفرغ عليه النحاس المذاب.قال علماء المعادن: إن الحديد المغلف بالنحاس المذاب سبيكة قوية جدًا من أقوى السبائك التي يعرفها البشر، إن اقتحام جدار من حديد ملبس بالنحاس من أصعب الأِشياء.
ولما أتم بناءه لم يفاخر بذلك، أو يعلن به على الملأ، أو يَمُنَّ به على القوم؛ ليكتسب بذلك دعاية، أو يظهر به قوة، أو يحوز به شرفًا، أو يسجله في سجل إنجازاته، بل نسب الفضل في ذلك لله تعالى صاحب الفضل والمنِّ، واعترف بقدرة الله تعالى على هذا السد وتدميره في أجلٍ لا يعلمه إلا هو سبحانه
"قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا "الكهف:98.


عن أبي هريرة رضي الله عنه،عنِ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ في السَّدِّ قالَ" يحفِرونَهُ كلَّ يومٍ، حتَّى إذا كَادُوا يخرقونَهُ قالَ الَّذي علَيهِم: ارجعوا فستخرقونَهُ غدًا، قال: فيعيدُهُ اللَّهُ كأشدِّ ما كانَ، حتَّى إذا بلغَ مدَّتَهُم وأرادَ اللَّهُ أن يبعثَهُم على النَّاسِ. قالَ الَّذي علَيهِم: ارجعوا فستَخرقونَهُ غدًا إن شاءَ اللَّهُ واستَثنى، قالَ: فيرجعونَ فيجدونَهُ كَهَيئتِهِ حينَ ترَكوهُ فيخرقونَهُ، ويخرُجونَ على النَّاسِ، فيستقونَ المياهَ، ويفرُّ النَّاسُ مِنهم، فيرمونَ بسِهامِهِم إلى السَّماءِ فترجعُ مخضَّبةً بالدِّماءِ، فيقولونَ: قَهَرنا مَن في الأرضِ وعلَونا مَن في السَّماءِ، قسوةً وعلوًّا، فَيبعثُ اللَّهُ عليهم نَغفًا في أقفائِهِم فيَهْلِكونَ، قال: فوالَّذي نَفسُ محمَّدٍ بيدِهِ إنَّ دوابَّ الأرضِ تَسمنُ وتبطرُ وتشكُرُ شَكَرًا مِن لحومِهِم" صحيح سنن الترمذي-تحقيق الشيخ الألباني.

شرح الحديث:
يأجوجُ ومأجوجُ أُمَّتانِ عظيمتانِ مِن بَنِي آدَمَ ، وخُروجُهم في آخِرِ الزَّمانِ مِن أشراطِ السَّاعةِ.
وفي هذا الحَديثِ يُخبِر النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم عن خُروجِ يأجوجَ ومأجوجَ في آخِرِ الزَّمانِ، وعن إفسادِهم وشَرِّهم في الأرضِ وكيف يكونُ هَلاكُهم، حيثُ يقولُ أبو هُريرةَ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم "في السَّدِّ"، والسَّدُّ هو الحاجِزُ والمانِعُ، والمقصودُ به السَّدُّ الَّذي بَناه ذو القرنَين،.... فكان حاجزًا وحائلًا بين النَّاسِ وبين وُصولِ يأجوجَ ومأجوجَ إليهم، "قال"، أي: النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: "يَحْفِرونَه"، أي: يأجوجُ ومأجوجُ يَنقُبون خلفَ السَّدِّ "كلَّ يومٍ"، أي: مُستمرِّين في حَفرِه يومًا بعدَ يومٍ، "حتَّى إذا كَادُوا"، أي: اقتَربوا "يَخْرِقونه"، أي: يتَعدَّوْن السَّدَّ، ويَهدِمونه، "قال الَّذي عليهم"، وهو قائدُهم وسيِّدُهم: "ارْجِعوا"، أي: عُودوا، "فستَخرِقونه غدًا"، أي: ستَفتَحون هذا السَّدَّ غدًا، قال "فيُعيدُه اللهُ"، أي: فيُرجِعُ اللهُ السَّدَّ "كأشَدِّ"، أي: أقوى وأمتَنِ "ما كان" عليه قبلَ ذلك، "حتَّى إذا بلَغ مُدَّتَهم"، أي: حتَّى إذا وصَلوا إلى الوقتِ الَّذي يَفتَحون فيه السَّدَّ، "وأراد اللهُ"، أي: قدَّر اللهُ "أن يَبعَثَهم على النَّاسِ"، أي: أن يُخرِجَهم اللهُ على النَّاسِ، "قال الَّذي عليهم"، أي: أميرُهم "ارجِعوا فستَخرِقونه غدًا"، أي: عُودوا فستَهْدِمونه غدًا "إن شاءَ اللهُ واستَثنى"، أي: ذُكِّر بأنْ يَستَثْنيَ ويقولَ: إنْ قدَّر لنا اللهُ ذلك، "قالأي: النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم "فيَرجِعون" ويَعودون "فيَجِدونه"، أي: السَّدَّ "كهَيئتِه"، أي: كما ترَكوه عليه في اليومِ السَّابقِ مِن الهدمِ، "فيَخرِقونه" ويَهدِمونه، "ويَخرُجون على النَّاسِ"، أي: مِن كلِّ ناحيةٍ، "فيَستَقون"، أي: يَشرَبون "المياهَ"، حتَّى تَجِفَّ الأنهارُ، "ويَفِرُّ النَّاسُ منهم"، أي: يَهرُبُ النَّاسُ ويتَحصَّنون منهم، "فيَرمون"، أي: يُصوِّبُ يأجوجُ ومأجوجُ بسِهامِهم إلى السَّماءِ، "فتَرجِعُ"، أي: تَعودُ السِّهامُ "مُخضَّبةً"، أي: مَصبوغةً بالدِّماءِ، فِتنةً مِن اللهِ وبلاءً لهم، فيَقولون "قهَرْنا مَن في الأرضِ"، أي: انتقَمْنا مِن أهلِ الأرضِ، "وعلَوْنا مَن في السَّماءِ"، أي: غلَبْنا أهلَ السَّماءِ، "قَسْوةً وعُلوًّا"، أي: كان قولُهم هذا عن تَكبُّرٍ وكبرٍ لكُفرِهم، "فيَبعَثُ اللهُ عليهم نَغَفًا"، أي: فيُرْسِلُ اللهُ عليهم نوعًا مِن الحشَراتِ، والدِّيدانِ يُسمَّى النَّغَفَ، "في أقفائِهم"، أي: يَكونُ هذا الدُّودُ مِن وَراءِ أعناقِهم، ورُؤوسِهم "فيَهْلِكون"، أي: يَموتون.
قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم "فوالَّذي نَفسُ محمَّدٍ بيدِه"، أي: والَّذي حياةُ وأمرُ محمَّدٍ بيَدِه، "إنَّ دَوابَّ الأرضِ"، وهي ما يَدِبُّ على الأرضِ مِن السِّباعِ والهوامِ والحشَراتِ "تَسْمَنُ"، أي: تَزدادُ وتَصير سَمينةً، "وتَبطَرُ وتَشكَرُ شَكَرًا مِن لُحومِهم"، أي: تَمتَلِئُ بُطونُهم شِبَعًا مِن الأكلِ مِن لَحمِهم.
وفي الحَديثِ: بيانُ دلائلِ نبوَّتِه صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم.
وفيه: بيانُ شِدَّةِ فِتنةِ يأجوجَ ومأجوجَ، وعِظَمِ خَلْقِهم. الدرر السنية.


*ومن اللطائف والحكم أن الفتن الأربع المذكورة في السورة اجتمعت في الدجال
:
فهو فتنة في الدين، إذ يفتن الناس في دينهم، ويدعوهم إلى الشرك، ويقهرهم عليه.

قال صلى الله عليه وسلم "........يا عبادَ اللهِ ! أَيُّها الناسُ ! فاثبُتوا فإني سأَصِفُه لكم صفةً لم يَصِفْها إياه قبلي نبيٌّ ، … يقولُ : أنا ربُّكم ، ولا تَرَوْنَ ربَّكم حتى تَمُوتُوا......"صحيح الجامع للشيخ الألباني.


وهو فتنة في المال إذ يمر بالخربة فتتبعه كنوزُهَا ويأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت.
قال صلى الله عليه وسلم ".......وَيَمُرُّ بالخَرِبَةِ، فيَقولُ لَهَا: أَخْرِجِي كُنُوزَكِ، فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ،..."صحيح مسلم.


وهو فتنة في العلم إذ يخبر الرجل عن أبيه وأمه، ويقطع الرجل بسيفه حتى يمشي بين نصفيه ثم يدعوه فيأتي بأمر الله تعالى.

قال صلى الله عليه وسلم "....وإنَّ من فتنتِه أن يقولَ للأعرابيِّ : أرأيتَ إن بَعَثْتُ لك أباك وأمَّك أَتَشْهَدُ أني ربُّك ؟ فيقولُ : نعم ، فيتمثلُ له شيطانانِ في صورةِ أبيه وأمِّه ، فيقولانِ : يا بُنَيَّ اتَّبِعْهُ ، فإنه ربُّك " صحيح الجامع للشيخ الألباني.

قال صلى الله عليه وسلم "....ثُمَّ يَدْعُو رَجُلًا مُمْتَلِئًا شَبَابًا، فَيَضْرِبُهُ بالسَّيْفِ فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الغَرَضِ، ثُمَّ يَدْعُوهُ فيُقْبِلُ وَيَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ، يَضْحَكُ" صحيح مسلم.



وهو في فتنة في السلطان؛ إذ تدين له الممالك، ويعيث في الأرض فسادًا، وما من بلد إلا يبلغها سلطانه إلا مكة والمدينة. أكثر أتباع الدجال من اليهود والعجم والترك ، وأخلاط من الناس.

قال صلى الله عليه وسلم "...وإنِّ من فتنتِه أن يَمُرِّ بالحيِّ فيُكَذِّبونه ، فلا يَبْقَى لهم سائمةٌ إلا هَلَكَت . وإنَّ من فتنتِه أن يَمُرَّ بالحيِّ ، فيُصَدِّقونه ، فيأمرُ السماءَ أن تُمْطِرَ فتُمْطِرُ ، ويأمرُ الأرضَ أن تُنْبِتَ فتُنْبِتُ ، حتى تَرُوحَ مَواشِيهِم من يومِهِم ذلك أَسْمَنَ ما كانت ، وأَعْظَمَه ، وأَمَدَّه خَواصِرَ وأَدَرَّهُ ضُروعًا . وإنه لا يَبْقَى شيءٌ من الأرضِ إلا وَطِئَه وظَهَر عليه ، إلا مكةَ والمدينةَ ، لا يأتِيهِما من نَقَب من أنقابِهِما إلا لَقِيَتْهُ الملائكةُ بالسيوفِ صَلْتَةً " صحيح الجامع للشيخ الألباني.

قال صلى الله عليه وسلم "يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِن يَهُودِ أصْبَهانَ، سَبْعُونَ ألْفًا عليهمُ الطَّيالِسَةُ".صحيح مسلم.



فقراءة سورة الكهف تكون سببًا للنجاة من جميع فتن الدجال..ملتقى الخطباء. والشيخ المنجد .ومصادر أخرى.
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 09-09-2020, 09:47 PM
الصورة الرمزية أم أبي التراب
أم أبي التراب أم أبي التراب غير متواجد حالياً
غفر الله لها
 
تاريخ التسجيل: May 2017
المشاركات: 3,537
Post

*من خصائص قراءة سورة الكهف: تَنَزُّل السَّكِينَة:
"كانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الكَهْفِ، وإلَى جانِبِهِ حِصانٌ مَرْبُوطٌ بشَطَنَيْنِ، فَتَغَشَّتْهُ سَحابَةٌ، فَجَعَلَتْ تَدْنُو وتَدْنُو وجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ، فَلَمَّا أصْبَحَ أتَى النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَذَكَرَ ذلكَ له فقالَ: تِلكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ بالقُرْآنِ."الراوي : البراء بن عازب -المصدر : صحيح البخاري

بشَطَنَيْنِ :شَطَنَِيْنِ:الحبْلُ الطويل يُسْتقَى به من البئر، أو تُشدُّ الدابةُ.المعجم.
تِلكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ بالقُرْآنِ:
أي: إنَّ هذه السَّحابةَ هي السَّكينةُ، أي: الملائكةُ وعليهمُ السَّكينةُ نزلوا يَستمعونَ لِلقرآنِ؛ ولذلك نَفَرَتِ الدَّابَّةُ لَمَّا رأتْهم، وهذا فيه فضلُ قِراءةِ القرآنِ وأنَّها سببُ نزولِ الرَّحمةِ وحضورِ الملائكةِ.

معنى السَّكِينَة اصطلاحًا: قال ابن القيِّم: هي الطُّمَأنِينة والوَقَار والسُّكون، الذي ينزِّله الله في قلب عبده عند اضطرابه من شدَّة المخاوف، فلا ينزعج بعد ذلك لما يَرِد عليه، ويوجب له زيادة الإيمان، وقوَّة اليقين والثَّبات.انظر: مدارج السالكين :2/503.
وقال الجرجانى: السَّكِينَة: ما يجده القلب من الطُّمَأنِينة عند تنزُّل الغيب، وهي نور في القلب يَسْكُن إلى شاهده ويطمئن.انظر: التعريفات :1/159.الدرر السنية .موسوعة الأخلاق.

وعن ابن عبَّاس أنَّهُ دَفَعَ مع النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَومَ عَرَفَةَ، فَسَمِعَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ورَاءَهُ زَجْرًا شَدِيدًا، وضَرْبًا وصَوْتًا لِلْإِبِلِ، فأشَارَ بسَوْطِهِ إليهِم، وقالَ: "أيُّها النَّاسُ، علَيْكُم بالسَّكِينَةِ؛ فإنَّ البِرَّ ليسَ بالإِيضَاعِ".
"صحيح البخاري .

"علَيْكُم بالسَّكِينَةِ" أي: لازموا الطُّمَأنِينة والرِّفق، وعدم المزَاحمة في السَّير.
السَّكينةُ والوقارُ مِن الصِّفاتِ الحَميدةِ التي حَثَّ عليها الشَّرعُ، خُصوصًا في العِباداتِ ومَواطنِ الزِّحامِ، كالحجِّ.
وفي هذا الحديثِ يَروي عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما أنَّه انْصَرَف مع النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن عَرَفةَ مُتوجِّهًا إلى المُزْدَلِفةِ، وعَرَفاتٌ: جَبَلٌ يقَعُ على الطَّريقِ بيْن مكَّةَ والطائفِ، ويَبعُدُ عن مكَّةَ حَوالَيْ :22 كم، وعلى بُعدِ :10 كم مِن مِنًى، و6 كم مِن مُزدلِفةَ، ويُقامُ عندَه أهمُّ مَناسِكِ الحجِّ، وهو الوقوفُ بعَرَفةَ يومَ التاسعِ مِن شَهرِ ذي الحجَّةِ. والمُزدلِفةُ: اسمٌ للمكانِ الذي يَنزِلُ فيه الحَجيجُ بعْدَ الإفاضةِ مِن عَرَفاتٍ، ويَبيتون فيه لَيلةَ العاشرِ مِن ذي الحِجَّةِ، وفيه المَشعَرُ الحرامُ، وتُسمى جَمْعًا، وتَبعُدُ عن عَرَفةَ حَوالَي:12 كم.
فسَمِعَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الناسَ وَراءَه يَصيحون في الإبلِ ودَوابِّهم ويَضرِبونها؛ لتُسرِعَ في سَيرِها، فأشارَ بسَوطِه إليهم إشارةً يَنهاهُم فيها عن السُّرعةِ الشَّديدةِ، وأمَرَهُم بالهُدوءِ وتَخفيفِ السُّرعةِ، والْتزامِ الرِّفقِ وعدَمِ مُزاحمةِ الآخَرينَ ومُسابقتِهم، وعلَّلَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نَهْيَه لهم بقَولِه: فإنَّ البِرَّ -الذي هو الخيرُ- لَيس بالإيضاعِ، وهو حَمْلُ الدَّابَّةِ على الإسراعِ في السَّيرِ، يعني: فَلَيْست طاعةُ اللهِ في سُرعةِ السَّيرِ. قيل: إنَّما نَهاهم عن الإيضاعِ والجرْيِ إبقاءً عليهم، ولئلَّا يَضُرُّوا بأنفُسِهم بالتَّسابُقِ مِن أجْلِ بُعدِ المسافةِ، ولأنَّهم راجعونَ مِن الوُقوفِ بعَرَفةَ وهو مَظِنَّةُ التَّعبِ والمشقَّةِ؛ فأرشدَهم صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى الرِّفقِ والسَّكينةِ.
وفي الحَديثِ: مَشروعيَّةُ تَنظيمِ حَرَكةِ المرورِ، لا سيَّما عندَ الإِفاضةِ مِن عَرَفاتٍ، وإشرافِ المَسؤولينَ عليها.الدرر.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما:
كُلُّ سَكِينَةٍ في القُرْآنِ فَهي طُمَأْنِينَةٌ، إلّا الَّتِي في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: قالَ:رَأيْتُ النَّبِيَّ ؛ يَنْقُلُ مِن تُرابِ الخَنْدَقِ، حَتّى وارى التُّرابُ جِلْدَةَ بَطْنِهِ. وهو يَرْتَجِزُ بِكَلِمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
اللهُمَّ لَوْلا أنْتَ ما اهْتَدَيْنا ولا تَصَدَّقْنا ولا صَلَّيْنا
فَأنْزِلْنْ سَكِينَةً عَلَيْنا — وثَبِّتِ الأقْدامَ إنْ لاقَيْنا.

قال صلى اله عليه وسلم" مَن نَفَّسَ عن مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِن كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عنْه كُرْبَةً مِن كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَن يَسَّرَ علَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللَّهُ عليه في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَن سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَن سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فيه عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ له به طَرِيقًا إلى الجَنَّةِ، وَما اجْتَمع قَوْمٌ في بَيْتٍ مِن بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عليهمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَن عِنْدَهُ، وَمَن بَطَّأَ به عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ به نَسَبُهُ. غيرَ أنَّ حَدِيثَ أَبِي أُسَامَةَ ليسَ فيه ذِكْرُ التَّيْسِيرِ علَى المُعْسِرِ."صحيح مسلم.
الشرح:
حَثَّ الشَّرعُ على قَضاءِ حَوائجِ النَّاسِ والتَّيسيرِ عليهم ونَفْعِهم بِمَا يَتَيَسَّرُ من مالٍ وعِلمٍ أو مُعاونَةٍ أو مُشاورَةٍ. وفي هذا الحديثِ يُبَيِّنُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الثَّوابَ والأجْرَ لِمَنْ فَعَلَ ذلك، فيَقولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"مَنْ نَفَّسَ عن مُؤمنٍ كُرْبةً"، أي: رَفَعَ عَن مُؤمنٍ كُربةً، أي: حُزنًا وعَناءً وشِدَّةً، ولو حَقيرةً فَيكونُ الثَّوابُ وَالأَجْرُ أن يُنَفِّسَ اللهُ عنه كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القيامَةِ وتَنْفيسُ الكُرَبِ إِحسانٌ فَجزاه اللهُ جَزاءً وِفاقًا، "وَمَنْ يَسَّرَ عَلى مُعْسِرٍ"، والتَّيْسيرُ عَلى المُعْسِرِ في الدُّنيا مِن جِهةِ المالِ يَكونُ بأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا بإنْظَارِه إلى المَيْسَرَةِ، وتَارَّةً بالوَضْعِ عنه إنْ كان غَريمًا، وإلَّا فبِإعطائِهِ ما يَزولُ به إِعسارُهُ، وكِلاهُما له فَضْلٌ عَظيمٌ وجَزاؤُه أنْ يُيَسِّرَ اللهُ عليه في الدُّنيا والآخِرَةِ بَدَلَ تَيْسيرِه عَلى عَبدِه مُجَازاةً بِجِنْسِه، "وَمَنْ سَتَرَ مُسلِمًا" أي: بِثَوْبٍ، أو بِتَرْكِ التَّعَرُّضِ لِكَشْفِ حَالِه بَعْدَ أنْ رآه يَرْتَكِبُ ذَنبًا فَيَكونَ جَزاؤُه أن يَسْتُرَه اللهُ في الدُّنيا، أي: عَوْرَتَه أو عُيوبَه. وَيَسْتُرَه في الآخِرَةِ عن أَهْلِ المَوْقِفِ.
وقَوْلُهُ"واللهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما كان الْعَبْدُ في عَوْنِ أَخيهِ"، أي: مَنْ كان ساعيًا في قَضاءِ حاجَتِهِ، وفيه: تَنبيهٌ على فَضيلَةِ عَوْنِ الأَخِ على أُمورِه، وإِشارَةٌ إلى أنَّ المكافَأَةَ عليها بِجِنْسِها مِنَ العِنايَةِ الإِلَهِيَّةِ سَواءٌ كان بقَلْبِه أو بَدَنِه أو بِهما؛ لدَفْعِ المَضارِّ أو جَلْبِ المنافِعِ، إذِ الكُلُّ عَوْنٌ، "ومَنْ سَلَكَ"، أي: دَخَلَ أو مَشَى طَريقًا يَلْتَمِسُ فيه عِلمًا، وهو يَشْمَلُ الطَّريقَ الحِسِّيَّ الَّذي تَقْرَعُهُ الأقدامُ مِثْلَ أن يأتيَ الإنسانُ مِن بَيتِه إلى مَكانِ العِلمِ، سَواءٌ كان مَكانَ العِلمِ مَسجِدًا أو مَدرَسَةً أو كُلِّيَّةً أو غَيرَ ذلك، سَهَّلَ اللهُ له به طَريقًا إلى الجَنَّةِ.
وقَوْلُهُ"وَمَا اجْتَمَعَ قَومٌ في بيتٍ من بُيوتِ اللهِ، يَتلونَ كِتابَ اللهِ، ويَتَدارسونَه بَينهم"، وهذا فيه فَضْلُ الاجتِماعِ عَلى تِلاوَةِ القُرآنِ في المَسجِدِ ومُدارسَتِه، فَيكونُ ذلك سَببًا في نُزولِ السَّكينَةِ عليهم، وهي ما يَحصُلُ به صَفاءُ القلبِ بنورِ القُرآنِ وذَهابِ ظُلْمتِه النَّفْسانِيَّة. "وغَشِيَتْهُم الرَّحمَةُ"، أي: غَطَّتْهُم وسَتَرَتْهُم الرَّحمةُ."وحَفَّتْهُم الملائِكَةُ"، طافوا بِهم وأَدارُوا حَولَهم؛ تَعظيمًا لصَنيعِهم. "وذَكَرَهمُ اللهُ فِيمَن عندَه مِن المَلَأِ الأَعْلَى"، وهي الطَّبقَةُ الأُولى مِنَ المَلَائِكَةِ، ذَكَرَهم اللهُ تعالى مُباهاةً بِهم، ثُمَّ يُبَيِّنُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ " مَن بَطَّأَ به عَمَلُه لم يُسْرِعْ به نَسَبُه"، مَن كان عَمَلُه ناقصًا، لم يُلْحِقْه نَسبُهُ بمَرْتَبَةِ أَصحابِ الأَعْمالِ؛ فَيَنْبَغي ألَّا يَتَّكِلَ على شَرَفِ النَّسَبِ، وفَضيلَةِ الآباءِ، ويُقَصِّرَ في العَمَلِ . الدرر.


"إذَا أتَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَعلَيْكُم بالسَّكِينَةِ، فَما أدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وما فَاتَكُمْ فأتِمُّوا."الراوي : أبو قتادة الحارث بن ربعي - المحدث : البخاري - المصدر : صحيح البخاري-الصفحة أو الرقم: 635 - خلاصة حكم المحدث : صحيح.
وَلِهَذا أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ إنْزالِها عَلى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم وعَلى المُؤْمِنِينَ في مَواضِعِ القَلَقِ والِاضْطِراب،كَيَوْمِ الهِجْرَةِ، إذْ هو وصاحِبُهُ في الغارِ والعَدُوُّ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ. لَوْ نَظَرَ أحَدُهم إلى ما تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَرَآهُما.
قال تعالى" إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"التَّوبة: 40.


قال أبو جعفر: يقول تعالى ذِكْرُهُ: فأنزل الله طمأنينته وسكونه على رسوله، وقد قيل: على أبي بكر، "وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا"، يقول: وقوَّاه بجنود من عنده من الملائكة، لم تروها أنتم "وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ"، وهي كلمة الشِّرك السُّفْلَى، لأنَّها قُهِرت وأُذِلَّت، وأبطلها الله تعالى، ومَحَق أهلها، وكلُّ مقهور ومغلوب فهو أسفل من الغالب، والغالب هو الأعلى.
"وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا"، يقول: ودين الله وتوحيده وقول لا إله إلَّا الله، وهي كلمته "الْعُلْيَا"، على الشِّرك وأهله، الغالبة . جامع البيان للطبري :5/326.

*وكَيَوْمِ الحُدَيْبِيَةِ حِينَ اضْطَرَبَتْ قُلُوبُهم مِن تَحَكُّمِ الكُفّارِ عَلَيْهِمْ، ودُخُولِهِمْ تَحْتَ شُرُوطِهِمُ الَّتِي لا تَتحَمَّلُها النُّفُوسُ.
قال تعالى "هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا "4.الفتح.
وهم الصحابة يوم الحديبية ، الذين استجابوا لله ولرسوله وانقادوا لحكم الله ورسوله ، فلما اطمأنت قلوبهم لذلك ، واستقرت ، زادهم إيمانًا مع إيمانهم .تفسير ابن كثير.
وفيها بشارة المؤمنين بحسن عاقبة صلح الحُدَيْبِيَة، وأنه نصر وفتح، فنزلت به السكينة في قلوب المسلمين، وأزال حزنهم من صدهم عن الاعتمار بالبيت، وكان المسلمون عِدَّة لا تُغلب من قلة، فرأوا أنهم عادوا كالخائبين، فأعلمهم الله بأن العاقبة لهم، وأن دائرة السوء على المشركين والمنافقين.
قوله تعالى"لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا "الفتح: 18.
وقوله: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ أي: من الصِّدق والوفاء، والسَّمع والطَّاعة." فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ" وهي الطُّمَأنِينة . "وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا" وهو ما أجْرَى الله على أيديهم من الصُّلح بينهم وبين أعدائهم، وما حصل بذلك من الخير العام المستمر المتَّصل بفتح خيبر، وفتح مكة، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم عليهم، وما حصل لهم من العزِّ والنَّصر والرِّفعة في الدُّنيا والآخرة؛ ولهذا قال" وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا "الفتح: 18
.

قال ابن القيم: إنَّ هذهِ الهُدْنةَ كانتْ مِنْ أعظَمِ الفُتُوحِ، فإنَّ الناسَ أَمِنَ بعضُهُمْ بَعْضًا، واخْتَلَطَ المسلمونَ بالكُفَّارِ، وبادَؤوهُم بالدَّعوةِ وأَسْمَعُوهُمُ القُرآنَ، وناظَرُوهُم على الإسلامِ جَهْرَةً آمِنينَ، وظَهَرَ مَنْ كانَ مُخْتَفِيًا بالإسلامِ، ودَخَلَ فيهِ في مُدَّةَ الهُدْنةِ مَنْ شاءَ اللهُ أنْ يَدْخُلَ، ولهذا سَمَّاهُ اللهُ فَتْحًا مُبينًا. انتهى.
وقال النوويُّ: قالَ العلماءُ: والمصلحةُ الْمُتَرتِّبةُ على إتمامِ هذا الصُّلْحِ ما ظَهَرَ مِنْ ثَمَراتهِ الباهرةِ وفوائدهِ الْمُتَظاهِرَةِ التي كانتْ عاقِبَتُها فتْحَ مكَّةَ وإسلامَ أهلِها كُلِّها، ودُخُولَ الناسِ في دِينِ اللهِ أفواجًا. انتهى.الشيخ بن ناصر الشثري.


*ملخص أحداث صلح الحديبية : أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في شهر ذي القعدة من السنة السادسة من الهجرة ومعه ألف وأربعمائة ، متوجهًا إلى مكة يريد العمرة ، فلما كان بذي الحُلَيفة ـ ميقات أهل المدينة ـ قَلَّد الهَدْي وأشْعره ، وأحرم بالعمرة .
"خَرَجَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ مِنَ المَدِينَةِ في بضْعَ عَشْرَةَ مِئَةً مِن أصْحَابِهِ، حتَّى إذَا كَانُوا بذِي الحُلَيْفَةِ قَلَّدَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الهَدْيَ، وأَشْعَرَ وأَحْرَمَ بالعُمْرَةِ."الراوي : المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم - المحدث : البخاري - المصدر : صحيح البخاري .
قلَّد النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الهَدْيَ وأَشْعَرَه، والتَقليدُ: أنْ يُجعَلَ في أعناقِ الهَدْيِ قِلادةٌ تُميِّزُه عن غَيرِه؛ مِن جِلدٍ، أو نَعلَين، أو نحْوِها. والإشعارُ: أنْ يُطْعَنَ في سَنامِ البَدَنةِ بسِكينٍ أو نحْوِ ذلك حتَّى يَسيلَ دَمُها، وفائدةُ الإشْعارِ: الإعلامُ بأنَّها صارتْ هَدْيًا، فيَتبَعُها مِن الفُقراءِ مَن يَحتاجُ إليها، وحتَّى لو اختَلَطَت بغَيرِها تَميَّزَت، أو ضلَّتْ عُرِفَتْ، مع ما في ذلِك مِن تَعظيمِ شِعارِ الشَّرعِ، وحَثِّ الغيرِ عليه.

وبعث عينًا له من خُزاعة يخبره عن قريش ، فلما كان بعُسْفان أتاه عينه وأخبره أن قريشًا قد جمعوا له جموعًا ، وأنهم مقاتلوه وصادُّوه عنِ البيتِ .
وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية -الثنية في اللغة تعني الطريق في الجبل أي طريق بين جبلين، وثنية الوداع يقصد بها الموقع التاريخي الواقع على مدخل المدينة المنورة، ويدل اسمها على أنها كانت مكان توديع المسافرين منها-التي يهبط عليهم منها بركت راحلته ، فقال الناس : خلأت القصواء ، خلأت القصواء - أي : حرنت وأبت السير - ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " ما خَلَأَتِ القَصْوَاءُ، وما ذَاكَ لَهَا بخُلُقٍ، ولَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الفِيلِ " ثم قال " والذي نَفْسِي بيَدِهِ، لا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إلَّا أعْطَيْتُهُمْ إيَّاهَا، ثُمَّ زَجَرَهَا فَوَثَبَتْ" ثم زجرها فوثبت به ، فعدل بها حتى نزل بأقصى الحديبية على حوض قليل الماء ، فلم يلبث الناس أن نزحوه ، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش " فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِن كِنَانَتِهِ، ثُمَّ أمَرَهُمْ أنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ " فلم يزل يجيش لهم بالرِّي حتى صدروا عنه .
وفزعت قريش لنزوله عليهم ، فأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليهم رجلًا من أصحابه ، فدعا عثمان بن عفان ، فأرسله إلى قريش ، وقال " إنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أحَدٍ، ولَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ، ، وادعهم إلى الإسلام " ، وأمره أن يأتي رجالًا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات ، فيدخل عليهم ويبشرهم بالفتح ، ويخبرهم أن الله عز وجل مُظهِر دينَه بمكة حتى لا يستخفى فيها بالإيمان ، فانطلق عثمان ، فمر على قريش ، فبلّغ الرسالة ، وقد أجاره أحد بني عمه ، وحمله على فرس حتى دخل مكة .
ثم إنه بَلَغَ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أن عثمان قد قُتِل ، فدعا إلى البيعة على أن لا يفروا.
"وكانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوانِ بَعْدَ ما ذَهَبَ عُثْمانُ إلى مَكَّةَ، فقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بيَدِهِ اليُمْنَى: هذِه يَدُ عُثْمانَ. فَضَرَبَ بها علَى يَدِهِ، فقالَ: هذِه لِعُثْمانَ" صحيح البخاري.
قال تعالى"لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا "الفتح: 18.
وقوله: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ أي: من الصِّدق والوفاء، والسَّمع والطَّاعة." فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ" وهي الطُّمَأنِينة .

ولما تمت البيعة رجع عثمان إلى المسلمين . وسارت الرسل بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركين لأجل الصلح ، حتى جاء سهيل بن عمرو ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد سهل لكم من أمركم .
ثم عرض سهيل الشروط التي تريدها قريش ، وهي :
- وضع الحرب بين المسلمين وقريش عشر سنوات
- من جاء المسلمين من قريش يردّونه، ومن جاء قريشًا من المسلمين لا يلزمون بردّه.
- أن يرجع النبي صلى الله عليه وسلم من غير عمرة هذا العام ، ثم يأتي العام المقبل فيدخلها بأصحابه بعد أن تخرج منها قريش ، فيقيم بها ثلاثة أيام ليس مع أصحابه من السلاح إلا السيف في القراب والقوس .
- من أراد أن يدخل في عهد محمد من غير قريش دخل فيه ، ومن أراد أن يدخل في عهد قريش دخل فيه .
ودخلت قبيلة خُزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودخل بنو بكر في عهد قريش.
وقد كانت الحروب والعداوات بين خزاعة – التي دخلت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبين بني بكر – التي دخلت في عهد قريش - منذ غابر الأزمان , فأضحت كل واحدة في أمن من الأخرى , ولكن حصل غدر من بني بكر , فخرج نوفل بن معاوية في جماعة معه في شهر شعبان للسنة الثامنة من الهجرة فأغاروا على خزاعة ليلًا , وهم على ماء يقال له الوتير , فأصابوا منهم رجالًا , وتناوشوا واقتتلوا , وأعانت قريش بني بكر بالسلاح , بل وقاتل رجال منهم مع بني بكر مستترين بظلمة الليل , حتى حازوا خزاعة إلى الحرم ، فقالت بنو بكر : يا نوفل إنا قد دخلنا الحرم ، إلهك ! إلهك ! فقال : لا إله اليوم ، يا بني بكر أصيبوا ثأركم , فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم , أفلا تصيبون ثأركم فيه ؟!
وانطلق عمرو بن سالم الخزاعي إلى رسول الله في المدينة مستغيثًا ومستنجدًا فقال له عليه السلام : نصرت يا عمرو بن سالم .
وسرعان ما أحست قريش بخطئها وغدرها , فخافت من عواقبه الوخيمة , فبعثت قائدها أبا سفيان ليجدد الصلح , لكنه لم يفلح , فعاد أدراجه إلى مكة .
ثم تجهز النبي صلى الله عليه وسلم وأمر الصحابة بالجهاز , وأعلمهم أنه سائر إلى مكة , ثم تم بعد ذلك الفتح ، ودخل الناس في دين الله أفواجا .
والشاهد من هذا كله : أن قريشا لما أعانت بني بكر بالسلاح ، وقاتلت معهم خزاعة التي كانت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان ذلك نقضًا للصلح الذي أبرمته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية . وقد علِمت قريش ذلك ، ومن ثَمّ جاء أبو سفيان ليجدد الصلح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان من واجب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينصر المتحالفين معه من خزاعة ، كما أن قريشا نصرت ، بل وحاربت مع حلفائها من بني بكر . الإسلام سؤال وجواب.
ولمزيد تفصيل - هنا-

وكَيَوْمِ حُنَيْنٍ، حِينَ ولَّوْا مُدَبِّرِينَ مِن شِدَّةِ بَأْسِ الكُفّارِ، لا يَلْوِي أحَدٌ مِنهم عَلى أحَدٍ.
قال تعالى "لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ "25"ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ "26.التوبة.

النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما فتح مكة، سمع أن هوازن اجتمعوا لحربه، فسار إليهم ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أصحابه الذين فتحوا مكة، وممن أسلم من الطلقاء أهل مكة، فكانوا اثني عشر ألفا، والمشركون أربعة آلاف، فأعجب بعض المسلمين بكثرتهم، وقال بعضهم‏:‏ لن نغلب اليوم من قلة‏.‏
الرسول وصحابته الكرام، يدخلون إلى وادي حنين، وفجأة تنهال عليهم السهام والرماح من كل جانب، فيرتبك الجيش ويسعى إلى الفرار، إلا ثلة قليلة على رأسهم الرسول صلى الله عليه وسلم ثبتوا معه، وجعلوا
يقاتلون المشركين، وجعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يركض بغلته نحو المشركين ويقول‏"‏
أنا النبيُّ لا كَذِبْ، أنا ابنُ عبدِ المُطَّلِبْ‏"صحيح البخاري.‏ ولما رأى من المسلمين ما رأى، أمر العباس بن عبد المطلب أن ينادي في الأنصار وبقية المسلمين، وكان رفيع الصوت، فناداهم‏:‏ فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: أَيْ عَبَّاسُ، نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ، فَقالَ عَبَّاسٌ: وَكانَ رَجُلًا صَيِّتًا، فَقُلتُ بأَعْلَى صَوْتِي: أَيْنَ أَصْحَابُ السَّمُرَةِ؟ قالَ: فَوَاللَّهِ، لَكَأنَّ عَطْفَتَهُمْ حِينَ سَمِعُوا صَوْتي عَطْفَةُ البَقَرِ علَى أَوْلَادِهَا، فَقالوا: يا لَبَّيْكَ، يا لَبَّيْكَ، قالَ: فَاقْتَتَلُوا وَالْكُفَّارَ"صحيح مسلم.
أَيْنَ أَصْحَابُ السَّمُرَةِ؟أي: لا تنسَوْا بَيعتَكم الواقعةَ تحتَ الشَّجرةِ وما يترتَّبُ عليها مِن الثَّمرةِ،-والسَّمُرَة هي الشجرة التي بايع تحتها الصحب الكرام نبيهم على الثبات وعدم الفرار إذا ما لاقوا قريش عند الحديبية- ، وبمجرد أن سمعوا النداء، حول الصحابة المعنيون بالنداء وجوه دوابهم من الفرار إلى الهجوم.
كان الفارس الشاعر
دُرَيد بن الصَّمَّة مع الكفار يوم حنين ولكنه كان شيخا هرما فقد بصره ويحمل في هودج لكي ينتفع قومه برأيه، فلما توقف الركب، سأل‏:‏ بأي واد أنتم‏؟‏ قالوا:‏ بأوطاس، قال‏:‏ نعم مجال الخيل!‏ لا حزن ضرس، ولا سهل دهس، فما لي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء؟‏ قالوا‏:‏ ساق مالك بن عوف مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم‏.‏ قال‏:‏ فأين مالك‏؟‏ قيل:‏ هذا مالك ودعي له، فقال‏:‏ يا مالك، إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام، ما لي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء‏؟‏ قال‏:‏ سقت مع الناس أموالهم وأبناءهم ونساءهم. قال‏:‏ ولم ذاك‏؟ قال‏:‏ أردت أن أجعل خلف كل رجل منهم أهله وماله، ليقاتل عنهم. فرد عليه قائلا‏:‏ راعي ضأن والله!‏ وهل يرد المنهزم شيء‏؟‏ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك‏.‏ ومن هذه القصة أردت الاستشهاد بقول الخبير العسكري دُرَيد بن الصَّمَّة الذي زاد عمره وقتها على المائة عام عندما قال مستنكرا: وهل يَرُدُّ المنهزمَ شيءٌ؟‏، فالإنسان إذا فَرَّ يصيبه العمى عن كل شئ إلا عما ينقذ حياته، فلحظة الفرار هي لحظة هزيمة نفسية وتحطم معنوي وشلل فكري وعاطفي، يترك فيها الرجل أعز الناس إلى قلبه وأقربهم منه رَحِمًا، وهنا فقط ندرك قيمة النداء الذي أطلقه الرسول صلى الله عليه وسلم على لسان عمه العباس جهوري الصوت، ذلك النداء الذي انتشل الصحابة من بئر الفرار السحيق، ليستردوا عزيمتهم، ويتحولوا في لحظة من الفرار والانهزام، إلى أسود مزمجرة تهجم على الكفار وتمزقهم كل ممزق. طريق الإسلام .
فلما سمعوا صوته أَيْ عَبَّاس، عطفوا عطفة رجل واحد، فاجتلدوا مع المشركين، فهزم اللّه المشركين، هزيمة شنيعة، واستولوا على معسكرهم ونسائهم وأموالهم‏.‏
وذلك قوله تعالى ‏"‏لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ‏"‏ وهو اسم للمكان الذي كانت فيه الوقعة بين مكة والطائف‏.‏
‏"‏إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا‏"‏ أي‏:‏ لم تفدكم شيئا، قليلًا ولا كثيرًا ‏"‏وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ‏"‏ بما أصابكم من الهم والغم حين انهزمتم ‏"‏بِمَا رَحُبَتْ‏"‏ أي‏:‏ على رحبها وسعتها، ‏"‏ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ‏"‏ أي‏:‏ فارين منهزمين‏.

"ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ‏"
أي: أنزل عليهم ما يُسكِّنهم ويُذهب خوفهم، حتَّى اجترؤوا على قتال المشركين بعد أن ولَّوا . تفسير القرطبى :8/101.‏ والسَّكِينَة ما يجعله اللّه في القلوب وقت القلاقل والزلازل والمفظعات، مما يثبتها، ويسكنها ويجعلها مطمئنة، وهي من نِعَمِ اللّه العظيمة على العباد‏.‏
"وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا‏"‏ وهم الملائكة، أنزلهم اللّه معونة للمسلمين يوم حنين، يثبتونهم، ويبشرونهم بالنصر‏.‏تفسير السعدي.ومصادر أخرى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 10-15-2020, 08:59 PM
الصورة الرمزية أم أبي التراب
أم أبي التراب أم أبي التراب غير متواجد حالياً
غفر الله لها
 
تاريخ التسجيل: May 2017
المشاركات: 3,537
Post

*ومن خصائص قراءة سورة الكهف أيضًا أنها عِصْمَة ونور:
"ذكر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الدَّجَّالَ فقال إن يخرُجْ وأنا فيكم ! فأنا حجيجُه دونكم ، وإن يخرُجْ ولست فيكم ، فامرؤٌ حجيجُ نفسِه ، واللهُ خليفتي على كلِّ مسلمٍ ، فمن أدركه منكم فليقرَأْعليه فواتحَ سورةِ الكهفِ، فإنَّها جِوَارُكم من فتنتِه .............." الراوي : النواس بن سمعان الأنصاري -المحدث : الألباني -المصدر : صحيح أبي داود.
"مَن حَفِظَ عَشْرَآياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ".الراوي : أبو الدرداء -المصدر : صحيح مسلم.

حديث آخر:
"من قرأ الكهفَ كما أُنزِلَت كانت له نورًا يومَ القيامةِ من مَقامِه إلى مكةَ ، ومن قرأ عشرَ آياتٍ من آخرِها ثم خرج الدَّجالُ ؛ لم يُسلَّطْ عليه ، ومن توضأ ثم قال " سبحانك اللهم وبحمدِك ، لا إله إلا أنت ، أستغفرك أتوبُ إليك " ؛ كُتِبَ في رِقٍّ ، ثم طُبِعَ بطابعٍ فلم يُكسَرْ إلى يومِ القيامةِ " . عُصِم منالدَّجالِ"الراوي : أبو سعيد الخدري -المحدث : الألباني -المصدر : صحيح الترغيب- الصفحة أو الرقم1473-خلاصة حكم المحدث : صحيح لغيره .


، العلماء اختلفوا هل رواية العشر الأواخر شاذة والرواية الأولى هي الصحيحة ، أم يجوزالعمل بكلاهما ؟. بعض العلماء قالوا تثبت العشر الأولى والأخيرة كأنه يستحثك على حفظ السورة ككل ،لأن من يحفظ أول عشر آيات من سورة الكهف لن يتمالك نفسَهُ ويكمل السورة ، وبعضهم قال :لا العشر آيات المنصوص عليها لها غرض وحاولوا يستنبطوا المعاني الموجودة في أول عشرة، وحاولوا يستنبطوا الموجودة في آخر عشرة ،وما علاقة هذه المعاني بفتنة الدجال.
"من قرأسورةَ الكهفِ في يومِ الجمعةِ ، أضاء له من النورِ ما بين الجمُعتَينِ "الراوي : أبو سعيد الخدري- المحدث : الألباني-المصدر : صحيح الجامع -الصفحة أو الرقم: 6470 خلاصة حكم المحدث : صحيح.


ما خرجنا به حتى الآن من خصائص سورة الكهف من خلال الأدلة:
السكينة لقراءة سورة الكهف والقرآن عامة ، والعصمة من الدجال ،النور
، فمن الأفكار المحورية في فتنة الدجال عكس الأمور ،أي أنك ترى الأشياء عكس حقيقتها، لكن المؤمن عنده القدرة أن يرى الأشياء على حقيقتها.المؤمن لما يرى الدجال يستطيع أن يرى على رأس الدجال كلمة كافر .قال صلى الله عليه وسلم "مَكْتُوبٌ بيْنَ عَيْنَيْهِ كافِرٌ، يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، كاتِبٍ وغَيْرِ كاتِبٍ".فقراءة الفتنة تحتاج إلى إيمان، فالفكرة المحورية في السورة هي أن تكون عندك القدرة على قراءة الفتنة،أنك تعرف أن هذه فتنة فلا تفتن ، هذه من أهم الأفكار المحورية لسورة الكهف التي تعطيك النور تعطيك النور لترى به هذا الذهب المموه ، تعطيك الخلفية التي تبصر بها أن هذه الجنة نار ، أنك ترى ما وراءها من نار.

لذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم " "حُفَّتِ الجَنَّةُ بالمَكارِهِ، وحُفَّتِ النَّارُ بالشَّهَواتِ."الراوي : أنس بن مالك- المصدر : صحيح مسلم
فالناس التي تركز على الشهوات لن ترى النار ،لكن المؤمن الذي عنده بصيرة يستطيع أن يرى النار من خلف الشهوات.
وفي رواية "حُجِبَتِ النَّارُ بالشَّهَواتِ، وحُجِبَتِ الجَنَّةُ بالمَكارِهِ."الراوي : أبو هريرة-المصدر : صحيح البخاري .
فهنا حجاب من المكاره يحجبه عن النار . فالذي عنده بصيرة ونور فإنه عنده بصيرة يرى بها الجنة من خلف هذه المكاره ،فممكن ترى شخص يعمل كل ما يريد ؛ أي معصية تخطر بباله يعملها ، فيظن أنه مُنَعَم ، وأمام الناس الذي يقفعل عكس ذلك الذي يمنع نفسه من الشهوات من الأغاني من الزنا من الاختلاط المُحَرَّم يمنع نفسه من أكل المال حرام ، يعتبروه يعيش في كرب وحرمان وكبد، يعتبروه محروم وفي نار ،لكن من كان مؤمنًا حقًا يشعر مع هذا الحرمان عن ما حرم الله؛ يشعر أنه في جنة،فهذا يحتاج إلى بصيرة ومعايشة ومجاهدة، وحتى لو عاش في تعب الدنيا فهو يشتاق لجنة الآخرة قال تعالى " إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا " النساء : 10.
يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ : يعني كأنها نار حقيقية لأن مآلها النار ،حتى لو لم يحدث له أي عذاب في الدنيا بمرض وغيره سيعاقب عليها في الآخرة .
لكن المؤمن يبصر الفتنة" يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، كاتِبٍ وغَيْرِ كاتِبٍ."
فتكون عنده البصيرة ليرى النار من وراء جنة الدجال ويرى الجنة من وراء نار الدجال، وتكون عنده القدرة على الاختيار أي على اختيار نار الدجال ويقتحمها ،
اقتحمها لو تباطأت ولبثتَ تفكر فيها كثير لن تدخلها ، توجد قرارات في الدين في حياتك لا يصلح التباطؤ فيها ولا التفكير ،اقتحم لأنك لما بتفكر لا تفكر وحدك بتفكر ومعك الشيطان ،فعمل الآخرة لابد فيه من المسارعة .الله يحب السكينة والتؤدة لكن لابد من المسارعة في عمل الآخرة.
"التُؤْدَةُ في كلِّ شيءٍ ، إلا في عملِ الآخرةِ".الراوي : سعد بن أبي وقاص-المحدث : الألباني-المصدر : صحيح أبي داود.

قال تعالى"وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ" آل عمران :133.
فعليك أن تسارع ،لأن الإنسان يعتريه الكسل ،يعتريه الضعف فعليه أن يبادر ،قال صلى الله عليه وسلم:
"بَادِرُوابالأعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا."الراوي : أبو هريرة - المصدر : صحيح مسلم.
أنت محتاج عندما ترى فتنة كبيرة مثل الدجال تحتاج السكينة لتواجه الموقف، قد يقول قائل أنت تتكلم عن الدجال والحل أحفظ أول عشر آيات لأتقي فتنته، قف؛من الذي سيعطيك السكينة ، ممكن أول ما ترى الدجال تنسى سورة الكهف من هول الموقف، تنسى كل شيء ، قال صلى الله عليه وسلم "من سمِع بالدَّجَّالِ فلينْأَ عنه ، فواللهِ إنَّ الرَّجلَ ليأتيه وهو يحسَبُ أنَّه مؤمنٌ فيَتَبِعه ممَّا يبعثُ به من الشُّبهاتِ ، أو لما يُبعَثُ به من الشُّبهاتِ"الراوي : عمران بن الحصين-المحدث : الألباني-المصدر : صحيح أبي داود.
فلينْأَ عنه: أي يبتعد عنه .قد يقول أذهب وأرى الدجال فيفتن به، كما يفعل البعض ويذهب ليرى شبهات الملحدين وهو يسخر منهم ثم يفتن ويصير مثلهم. فأحيانًا الإنسان يظن في نفسه الثبات فيفتن حين يرى الفتنة .فالبعد عن مواطن الفتن والأذى من العقل الإيماني وليس ضعف، فمن يبعد عن أماكن انتشار العدوى هذا من العقل.
لذا نهى النبي عن تمني لقاء العدو ، فهو فتنة .
"أيُّها النَّاسُ، لا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وسَلُوا اللَّهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، و..........."الراوي : عبدالله بن أبي أوفى -صحيح البخاري.
إذن رؤية الدجال تحتاج إلى سكينة وتحتاج إلى نور لمواجهة هذه الفتنة ..

"الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا" "الكهف:46.
"إنما أموالكم وأولادكم فتنةٌ واللهُ عندهُ أجرٌ عظيمٌ "التغابن : 15.
والإنسان الراشد هو الذي يعرف يتعامل مع الزينة دون فتنة .

"وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ"القصص: 77.

وهذه القاعدة القرآنية المحكمة جاءت في أثناء قصة قارون، الذي غرّه ماله، وغرته نفسه الأمارة بالسوء، فقال "إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي" القصص: 78.
إن من أعظم مزايا هذا الدين ومحاسنه، أنه دين يدعو إلى التوازن في كل شيء، بغير إفراط ولا تفريط، ولا غلو ولا جفاء، في أمر الدين أو الدنيا، وهذا ما تقرره هذه القاعدة بوضوح وجلاء ولو تأملنا هذه الآية لوجدنا ترتيب الكلام فيها كأنه عقد نُظِمَ كأحسن ما يكون النظم، فهي قد اشتملت على أربعة وصايا عظيمة، أحوج الناس إليها ـ في هذا المقام ـ هم أرباب الأموال، فلنتأملها جميعاً:
الأولى"وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ" فإن الآخرة هي المستقبل الذي يجب على كل عاقل أن يسعى للنجاة فيها، وأن يجعل حاضره من الدنيا تمهيدًا لها، وأن يجعل سعيه في حياته غراسًا ليوم الحصاد.
وقارون قد حصل عنده من وسائل الغرس في الآخرة ما ليس عند أكثر الناس، فأمره الله أن يبتغي أن يعمل فيها بأعمال يرجو فيها ما عند اللّه، وأن يتصدق ولا يقتصر على مجرد نيل الشهوات، وتحصيل اللذات.
وأما الوصية الثانية: فهي "وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا"
"والنهي فيها على سبيل الإباحة، فالنسيان هنا كناية عن الترك، والمعنى: لا نلومك على أن تأخذ نصيبك من الدنيا أي الذي لا يأتي على نصيب الآخرة، وهذا احتراس في الموعظة خشية نفور الموعوظ من موعظة الواعظ؛ لأنهم لما قالوا لقارون "وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ" أوهموا أن يترك حظوظ الدنيا فلا يستعمل ماله إلا في القربات، قال قتادة رحمه الله: نصيب الدنيا هو الحلال كله!
ثالث هذه الوصايا التي اشتملت عليها هذه القاعدة القرآنية، فهي"وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ"، وهذا يتفق تمامًا مع العقل والشرع، قال الله تعالى"هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ"الرحمن: 60.
ورابع هذه الوصايا في هذه القاعدة القرآنية"وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ".
لا تبغ الفساد بالتكبر والعمل بمعاصي اللّه والإساءة إلى الخلق والاشتغال بالنعم عن المنعم.هنا-
هذه القاعدة هي ميزان عظيم في التعامل مع المال، الذي هو مما استخلف الله العباد عليه، ولهذا سيسألهم يوم القيامة عنه سؤالين: من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟

"لاَ تزولُ قدَمُ ابنِ آدمَ يومَ القيامةِ من عندِ ربِّهِ حتَّى يسألَ عن خمسٍ : عن عمرِهِ فيمَ أفناهُ ، وعن شبابِهِ فيما أبلاَهُ ، وعن مالِهِ من أينَ اكتسبَهُ وفيمَ أنفقَهُ ، وماذا عملَ فيما علِمَ"الراوي : عبدالله بن مسعود - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الترمذي-الصفحة أو الرقم: 2416 - خلاصة حكم المحدث : صحيح.

المعنى أنَّ الإنسانَ لا تزولُ قدمَاهُ عن موقفِ الحسابِ يومَ القيامةِ حتى يُسألَ عن أربعٍ. عمره،وشبابه خاصة ، وماله ، وعلمه .

يُسألُ عن عُمُرِهِ فيما أفناهُ أي ماذا عملتَ منذُ بلغتَ، أدَّيتَ ما فرضَ اللهُ عليكَ واجتنبتَ ما حرَّمَ عليكَ فإنْ كانَ قد فَعَلَ ذلكَ نجا وسَلِمَ وإنْ لم يكنْ فعلَ ذلكَ هَلَكَ.
ويُسألُ عن جسدِهِ فيما أبلاهُ فإنْ أبلاهُ في طاعةِ اللهِ سَعِدَ ونجا مع النَّاجينَ وإنْ أبلَى جَسَدَهُ في معصِيَةِ اللهِ خَسِرَ وهَلَكَ.
ويُسأَلُ عَنْ عِلْمِهِ ماذَا عملَ فيهِ أي يُسألُ هل تعلّمتَ عِلْمَ الدِينِ الذي فَرضَهُ اللهُ عليكَ لأنَّ العِلْمَ الدِّينِيَّ قِسمانِ فمنْ تعلمَ القِسمَ الضَّروريَّ وعمِلَ بِهِ سَعِدَ ونَجا، ومنْ أهْملَ العملَ بعدَ أنْ تعلّمَ خَسِرَ وخابَ وهلكَ، وكذلكَ منْ لا يتعلّمُ فهوَ أيضًا من الهالكين.

وأمّا قولُهُ:”وعنْ مالِهِ منْ أينَ اكتسبَهُ وفيم أنفقَهُ ” فمعناه: أنّ الإنسانَ يُسألُ يومَ القِيامةِ عنِ المالِ الذي في يدِهِ في الدُنيا فإنْ كانَ أخَذَهُ من طريقِ غيرِ الحرامِ لا يكونُ عليهِ مؤاخذةٌ لكنْ بِشَرطِ أنْ يَكونَ ما أنفقَهُ فيهِ أمرٌ أباحَهُ الشرعُ، فالنّاسُ في أمرِ المالِ ثلاثَةُ أصنَافٍ اثنانِ هالكانِ وواحدٌ ناجٍ فالهالكانِ أحدُهُما الذي جمعَ المالَ منْ حرامٍ والآخرُ الذي جمعَهُ منْ حلالٍ ثمّ صرفَهُ في الحرامِ. وكذلِكَ الذي يصرِفُهُ في الحلالِ للرياءِ هالِكٌ.

تَنافُس الناسِ في أمور هذه الحياة الدنيا، تنافُس محموم، وقد جُبِلوا عليه، وأُمروا أن يكونوا مع هذه الجِبِلَّة على المنهج الشرعي، لكن كثيرًا منهم انطلق مع جِبِلَّتِهِ، ولم يلتفت إلى ما أوجبته الشريعة الغراء في التعامل مع زينة الحياة الدنيا.والله -سبحانه- ذكر أن من أبرز زينة هذه الحياة هذين الأمرين الجليلين العظيمين: المال والبنون، وبُدئ بالمال؛ لأنه مُتَّجَهُ كلِّ نفسٍ وكلِّ إنسانٍ، فتجد الصغير والكبير والشيخ والشاب والذكور والإناث، وكل طوائف الناس متعلقين بالمال تعلقًا واضحًا بيِّنًا،فأخبر الله -جل وعلا- أن هاتين الزينتين العظيمتين في الدنيا -المال والبنون- خير منهما الباقيات الصالحات، وهذه الخيرية بالنظر إلى أن المال زائل، والبنون زائلون، والحياة الدنيا كلها زائلة،أما الأعمال الصالحات،هي التي تستمر مع الإنسان في هذه الحياة الدنيا ببركاتها وحُسن عاقبتها في الآخرة.

"يَتْبَعُ المَيِّتَ ثَلاثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنانِ ويَبْقَى معهُ واحِدٌ: يَتْبَعُهُ أهْلُهُ ومالُهُ وعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أهْلُهُ ومالُهُ ويَبْقَى عَمَلُهُ"
الراوي : أنس بن مالك - المحدث : البخاري - المصدر : صحيح البخاري.

"الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا " "الكهف:46.
قال الشنقيطي -رحمه الله “والتحقيق أن “الباقيات الصالحات” لفظ عام يشمل الصلوات الخمس، والكلمات الخمس المذكورة، وغير ذلك من الأعمال التي ترضي الله -تعالى-؛ لأنها باقية لصاحبها غير زائلة ولا فانية كزينة الحياة الدنيا، ولأنها أيضًا صالحة لوقوعها على الوجه الذي يرضي الله -تعالى-” انتهى كلامه -رحمه الله-.

الزينة تحتاج للتعامل معها إلى رَشَد لأنها قد تفتن الناس.

*مصير زينة الحياة الدنيا التي تغر الناس:
"إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا "7" وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا"8.
الزينة تتحول لصعيد جُرز ." جُرُزًا "يابسًا أملس لا ينبت شيئًا . يقال : جرزت الأرض إذا أُكِلَ نباتُهَا . أي كل هذه الزينة ستذهب وتفنى ، فهم هذه الحقيقة يحتاج إلى رشد وبصيرة.

مثال: قصةكعب بن مالك لما تخلف وصاحِبَيْه عن غزوة تبوك:
أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ، وكَانَ، قَائِدَ كَعْبٍ مِن بَنِيهِ، حِينَ عَمِيَ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بنَ مَالِكٍ، يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلَّفَ عن قِصَّةِ، تَبُوكَ، قَالَ كَعْبٌ: لَمْ أتَخَلَّفْ عن رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في غَزْوَةٍ غَزَاهَا إلَّا في غَزْوَةِ تَبُوكَ، غيرَ أنِّي كُنْتُ تَخَلَّفْتُ في غَزْوَةِ بَدْرٍ، ولَمْ يُعَاتِبْ أحَدًا تَخَلَّفَ عَنْهَا، إنَّما خَرَجَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ، حتَّى جَمع اللَّهُ بيْنَهُمْ وبيْنَ عَدُوِّهِمْ علَى غيرِ مِيعَادٍ، ولقَدْ شَهِدْتُ مع رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَيْلَةَ العَقَبَةِ، حِينَ تَوَاثَقْنَا علَى الإسْلَامِ، وما أُحِبُّ أنَّ لي بهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ، وإنْ كَانَتْ بَدْرٌ، أذْكَرَ في النَّاسِ منها، كانَ مِن خَبَرِي: أنِّي لَمْ أكُنْ قَطُّ أقْوَى ولَا أيْسَرَ حِينَ تَخَلَّفْتُ عنْه، في تِلكَ الغَزَاةِ، واللَّهِ ما اجْتَمعتْ عِندِي قَبْلَهُ رَاحِلَتَانِ قَطُّ، حتَّى جَمَعْتُهُما في تِلكَ الغَزْوَةِ، ولَمْ يَكُنْ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُرِيدُ غَزْوَةً إلَّا ورَّى بغَيْرِهَا، حتَّى كَانَتْ تِلكَ الغَزْوَةُ، غَزَاهَا رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في حَرٍّ شَدِيدٍ، واسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا، ومَفَازًا وعَدُوًّا كَثِيرًا، فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أمْرَهُمْ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ، فأخْبَرَهُمْ بوَجْهِهِ الذي يُرِيدُ، والمُسْلِمُونَ مع رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كَثِيرٌ، ولَا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ، يُرِيدُ الدِّيوَانَ، قَالَ كَعْبٌ: فَما رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَتَغَيَّبَ إلَّا ظَنَّ أنْ سَيَخْفَى له، ما لَمْ يَنْزِلْ فيه وحْيُ اللَّهِ، وغَزَا رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تِلكَ الغَزْوَةَ حِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ والظِّلَالُ، وتَجَهَّزَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والمُسْلِمُونَ معهُ، فَطَفِقْتُ أغْدُو لِكَيْ أتَجَهَّزَ معهُمْ، فأرْجِعُ ولَمْ أقْضِ شيئًا، فأقُولُ في نَفْسِي: أنَا قَادِرٌ عليه، فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَى بي حتَّى اشْتَدَّ بالنَّاسِ الجِدُّ، فأصْبَحَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والمُسْلِمُونَ معهُ، ولَمْ أقْضِ مِن جَهَازِي شيئًا، فَقُلتُ أتَجَهَّزُ بَعْدَهُ بيَومٍ أوْ يَومَيْنِ، ثُمَّ ألْحَقُهُمْ، فَغَدَوْتُ بَعْدَ أنْ فَصَلُوا لأتَجَهَّزَ، فَرَجَعْتُ ولَمْ أقْضِ شيئًا، ثُمَّ غَدَوْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ ولَمْ أقْضِ شيئًا، فَلَمْ يَزَلْ بي حتَّى أسْرَعُوا وتَفَارَطَ الغَزْوُ، وهَمَمْتُ أنْ أرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ، ولَيْتَنِي فَعَلْتُ، فَلَمْ يُقَدَّرْ لي ذلكَ، فَكُنْتُ إذَا خَرَجْتُ في النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَطُفْتُ فيهم، أحْزَنَنِي أنِّي لا أرَى إلَّا رَجُلًا مَغْمُوصًا عليه النِّفَاقُ، أوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ، ولَمْ يَذْكُرْنِي رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حتَّى بَلَغَ تَبُوكَ، فَقَالَ: وهو جَالِسٌ في القَوْمِ بتَبُوكَ: ما فَعَلَ كَعْبٌ فَقَالَ رَجُلٌ مِن بَنِي سَلِمَةَ: يا رَسولَ اللَّهِ، حَبَسَهُ بُرْدَاهُ، ونَظَرُهُ في عِطْفِهِ، فَقَالَ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ: بئْسَ ما قُلْتَ، واللَّهِ يا رَسولَ اللَّهِ ما عَلِمْنَا عليه إلَّا خَيْرًا، فَسَكَتَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قَالَ كَعْبُ بنُ مَالِكٍ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أنَّه تَوَجَّهَ قَافِلًا حَضَرَنِي هَمِّي، وطَفِقْتُ أتَذَكَّرُ الكَذِبَ، وأَقُولُ: بمَاذَا أخْرُجُ مِن سَخَطِهِ غَدًا، واسْتَعَنْتُ علَى ذلكَ بكُلِّ ذِي رَأْيٍ مِن أهْلِي، فَلَمَّا قيلَ: إنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قدْ أظَلَّ قَادِمًا زَاحَ عَنِّي البَاطِلُ، وعَرَفْتُ أنِّي لَنْ أخْرُجَ منه أبَدًا بشيءٍ فيه كَذِبٌ، فأجْمَعْتُ صِدْقَهُ، وأَصْبَحَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قَادِمًا، وكانَ إذَا قَدِمَ مِن سَفَرٍ، بَدَأَ بالمَسْجِدِ، فَيَرْكَعُ فيه رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذلكَ جَاءَهُ المُخَلَّفُونَ، فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ ويَحْلِفُونَ له، وكَانُوا بضْعَةً وثَمَانِينَ رَجُلًا، فَقَبِلَ منهمْ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَلَانِيَتَهُمْ، وبَايَعَهُمْ واسْتَغْفَرَ لهمْ، ووَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إلى اللَّهِ، فَجِئْتُهُ فَلَمَّا سَلَّمْتُ عليه تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضَبِ، ثُمَّ قَالَ: تَعَالَ فَجِئْتُ أمْشِي حتَّى جَلَسْتُ بيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لِي: ما خَلَّفَكَ، ألَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ. فَقُلتُ: بَلَى، إنِّي واللَّهِ لو جَلَسْتُ عِنْدَ غيرِكَ مِن أهْلِ الدُّنْيَا، لَرَأَيْتُ أنْ سَأَخْرُجُ مِن سَخَطِهِ بعُذْرٍ، ولقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا، ولَكِنِّي واللَّهِ، لقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ اليومَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى به عَنِّي، لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ، ولَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ، تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ، إنِّي لَأَرْجُو فيه عَفْوَ اللَّهِ، لا واللَّهِ، ما كانَ لي مِن عُذْرٍ، واللَّهِ ما كُنْتُ قَطُّ أقْوَى، ولَا أيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ، فَقَالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أمَّا هذا فقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ. فَقُمْتُ، وثَارَ رِجَالٌ مِن بَنِي سَلِمَةَ فَاتَّبَعُونِي، فَقالوا لِي: واللَّهِ ما عَلِمْنَاكَ كُنْتَ أذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هذا، ولقَدْ عَجَزْتَ أنْ لا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بما اعْتَذَرَ إلَيْهِ المُتَخَلِّفُونَ، قدْ كانَ كَافِيَكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَكَ، فَوَاللَّهِ ما زَالُوا يُؤَنِّبُونِي حتَّى أرَدْتُ أنْ أرْجِعَ فَأُكَذِّبَ نَفْسِي، ثُمَّ قُلتُ لهمْ: هلْ لَقِيَ هذا مَعِي أحَدٌ؟ قالوا: نَعَمْ، رَجُلَانِ، قَالَا مِثْلَ ما قُلْتَ، فقِيلَ لهما مِثْلُ ما قيلَ لَكَ، فَقُلتُ: مَن هُمَا؟ قالوا: مُرَارَةُ بنُ الرَّبِيعِ العَمْرِيُّ، وهِلَالُ بنُ أُمَيَّةَ الوَاقِفِيُّ، فَذَكَرُوا لي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ، قدْ شَهِدَا بَدْرًا، فِيهِما أُسْوَةٌ، فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُما لِي، ونَهَى رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ المُسْلِمِينَ عن كَلَامِنَا أيُّها الثَّلَاثَةُ مِن بَيْنِ مَن تَخَلَّفَ عنْه، فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ، وتَغَيَّرُوا لَنَا حتَّى تَنَكَّرَتْ في نَفْسِي الأرْضُ فَما هي الَّتي أعْرِفُ، فَلَبِثْنَا علَى ذلكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فأمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا وقَعَدَا في بُيُوتِهِما يَبْكِيَانِ، وأَمَّا أنَا، فَكُنْتُ أشَبَّ القَوْمِ وأَجْلَدَهُمْ فَكُنْتُ أخْرُجُ فأشْهَدُ الصَّلَاةَ مع المُسْلِمِينَ، وأَطُوفُ في الأسْوَاقِ ولَا يُكَلِّمُنِي أحَدٌ، وآتي رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَأُسَلِّمُ عليه وهو في مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فأقُولُ في نَفْسِي: هلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ برَدِّ السَّلَامِ عَلَيَّ أمْ لَا؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا منه، فَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أقْبَلْتُ علَى صَلَاتي أقْبَلَ إلَيَّ، وإذَا التَفَتُّ نَحْوَهُ أعْرَضَ عَنِّي، حتَّى إذَا طَالَ عَلَيَّ ذلكَ مِن جَفْوَةِ النَّاسِ، مَشيتُ حتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أبِي قَتَادَةَ، وهو ابنُ عَمِّي وأَحَبُّ النَّاسِ إلَيَّ، فَسَلَّمْتُ عليه، فَوَاللَّهِ ما رَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَقُلتُ: يا أبَا قَتَادَةَ، أنْشُدُكَ باللَّهِ هلْ تَعْلَمُنِي أُحِبُّ اللَّهَ ورَسولَهُ؟ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ له فَنَشَدْتُهُ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ له فَنَشَدْتُهُ، فَقَالَ: اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ، فَفَاضَتْ عَيْنَايَ، وتَوَلَّيْتُ حتَّى تَسَوَّرْتُ الجِدَارَ، قَالَ: فَبيْنَا أنَا أمْشِي بسُوقِ المَدِينَةِ، إذَا نَبَطِيٌّ مِن أنْبَاطِ أهْلِ الشَّأْمِ، مِمَّنْ قَدِمَ بالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بالمَدِينَةِ، يقولُ: مَن يَدُلُّ علَى كَعْبِ بنِ مَالِكٍ، فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ له، حتَّى إذَا جَاءَنِي دَفَعَ إلَيَّ كِتَابًا مِن مَلِكِ غَسَّانَ، فَإِذَا فِيهِ: أمَّا بَعْدُ، فإنَّه قدْ بَلَغَنِي أنَّ صَاحِبَكَ قدْ جَفَاكَ ولَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بدَارِ هَوَانٍ، ولَا مَضْيَعَةٍ، فَالحَقْ بنَا نُوَاسِكَ، فَقُلتُ لَمَّا قَرَأْتُهَا: وهذا أيضًا مِنَ البَلَاءِ، فَتَيَمَّمْتُ بهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهُ بهَا، حتَّى إذَا مَضَتْ أرْبَعُونَ لَيْلَةً مِنَ الخَمْسِينَ، إذَا رَسولُ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَأْتِينِي، فَقَالَ: إنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَأْمُرُكَ أنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ، فَقُلتُ: أُطَلِّقُهَا؟ أمْ مَاذَا أفْعَلُ؟ قَالَ: لَا، بَلِ اعْتَزِلْهَا ولَا تَقْرَبْهَا، وأَرْسَلَ إلى صَاحِبَيَّ مِثْلَ ذلكَ، فَقُلتُ لِامْرَأَتِي: الحَقِي بأَهْلِكِ، فَتَكُونِي عِنْدَهُمْ، حتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ في هذا الأمْرِ، قَالَ كَعْبٌ: فَجَاءَتِ امْرَأَةُ هِلَالِ بنِ أُمَيَّةَ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقَالَتْ: يا رَسولَ اللَّهِ: إنَّ هِلَالَ بنَ أُمَيَّةَ شيخٌ ضَائِعٌ، ليسَ له خَادِمٌ، فَهلْ تَكْرَهُ أنْ أخْدُمَهُ؟ قَالَ: لَا، ولَكِنْ لا يَقْرَبْكِ. قَالَتْ: إنَّه واللَّهِ ما به حَرَكَةٌ إلى شيءٍ، واللَّهِ ما زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كانَ مِن أمْرِهِ، ما كانَ إلى يَومِهِ هذا، فَقَالَ لي بَعْضُ أهْلِي: لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في امْرَأَتِكَ كما أذِنَ لِامْرَأَةِ هِلَالِ بنِ أُمَيَّةَ أنْ تَخْدُمَهُ؟ فَقُلتُ: واللَّهِ لا أسْتَأْذِنُ فِيهَا رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وما يُدْرِينِي ما يقولُ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذَا اسْتَأْذَنْتُهُ فِيهَا، وأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ؟ فَلَبِثْتُ بَعْدَ ذلكَ عَشْرَ لَيَالٍ، حتَّى كَمَلَتْ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِن حِينَ نَهَى رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن كَلَامِنَا، فَلَمَّا صَلَّيْتُ صَلَاةَ الفَجْرِ صُبْحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، وأَنَا علَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِن بُيُوتِنَا، فَبيْنَا أنَا جَالِسٌ علَى الحَالِ الَّتي ذَكَرَ اللَّهُ، قدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي، وضَاقَتْ عَلَيَّ الأرْضُ بما رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ، أوْفَى علَى جَبَلِ سَلْعٍ بأَعْلَى صَوْتِهِ: يا كَعْبُ بنَ مَالِكٍ أبْشِرْ، قَالَ: فَخَرَرْتُ سَاجِدًا، وعَرَفْتُ أنْ قدْ جَاءَ فَرَجٌ، وآذَنَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلَاةَ الفَجْرِ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، وذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، ورَكَضَ إلَيَّ رَجُلٌ فَرَسًا، وسَعَى سَاعٍ مِن أسْلَمَ، فأوْفَى علَى الجَبَلِ، وكانَ الصَّوْتُ أسْرَعَ مِنَ الفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءَنِي الذي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي، نَزَعْتُ له ثَوْبَيَّ، فَكَسَوْتُهُ إيَّاهُمَا، ببُشْرَاهُ واللَّهِ ما أمْلِكُ غَيْرَهُما يَومَئذٍ، واسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا، وانْطَلَقْتُ إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَيَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا، يُهَنُّونِي بالتَّوْبَةِ، يقولونَ: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، قَالَ كَعْبٌ: حتَّى دَخَلْتُ المَسْجِدَ، فَإِذَا رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ إلَيَّ طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ حتَّى صَافَحَنِي وهَنَّانِي، واللَّهِ ما قَامَ إلَيَّ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ غَيْرَهُ، ولَا أنْسَاهَا لِطَلْحَةَ، قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ علَى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قَالَ: رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وهو يَبْرُقُ وجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ: أبْشِرْ بخَيْرِ يَومٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ ولَدَتْكَ أُمُّكَ، قَالَ: قُلتُ: أمِنْ عِندِكَ يا رَسولَ اللَّهِ، أمْ مِن عِندِ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا، بَلْ مِن عِندِ اللَّهِ. وكانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وجْهُهُ، حتَّى كَأنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وكُنَّا نَعْرِفُ ذلكَ منه، فَلَمَّا جَلَسْتُ بيْنَ يَدَيْهِ قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّ مِن تَوْبَتي أنْ أنْخَلِعَ مِن مَالِي صَدَقَةً إلى اللَّهِ وإلَى رَسولِ اللَّهِ، قَالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهو خَيْرٌ لَكَ. قُلتُ: فإنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الذي بخَيْبَرَ، فَقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ إنَّما نَجَّانِي بالصِّدْقِ، وإنَّ مِن تَوْبَتي أنْ لا أُحَدِّثَ إلَّا صِدْقًا، ما بَقِيتُ. فَوَاللَّهِ ما أعْلَمُ أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ أبْلَاهُ اللَّهُ في صِدْقِ الحَديثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذلكَ لِرَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أحْسَنَ ممَّا أبْلَانِي، ما تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذلكَ لِرَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى يَومِي هذا كَذِبًا، وإنِّي لَأَرْجُو أنْ يَحْفَظَنِي اللَّهُ فِيما بَقِيتُ، وأَنْزَلَ اللَّهُ علَى رَسولِهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ"لقَدْ تَابَ اللَّهُ علَى النبيِّ والمُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ" إلى قَوْلِهِ "وَكُونُوا مع الصَّادِقِينَ" فَوَاللَّهِ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِن نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْدَ أنْ هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ، أعْظَمَ في نَفْسِي مِن صِدْقِي لِرَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أنْ لا أكُونَ كَذَبْتُهُ، فأهْلكَ كما هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا، فإنَّ اللَّهَ قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا - حِينَ أنْزَلَ الوَحْيَ - شَرَّ ما قَالَ لأحَدٍ، فَقَالَ تَبَارَكَ وتَعَالَى"سَيَحْلِفُونَ باللَّهِ لَكُمْ إذَا انْقَلَبْتُمْ" إلى قَوْلِهِ "فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ القَوْمِ الفَاسِقِينَ"، قَالَ كَعْبٌ: وكُنَّا تَخَلَّفْنَا أيُّها الثَّلَاثَةُ عن أمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ منهمْ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حِينَ حَلَفُوا له، فَبَايَعَهُمْ واسْتَغْفَرَ لهمْ، وأَرْجَأَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أمْرَنَا حتَّى قَضَى اللَّهُ فِيهِ، فَبِذلكَ قَالَ اللَّهُ"وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا". وليسَ الذي ذَكَرَ اللَّهُ ممَّا خُلِّفْنَا عَنِ الغَزْوِ، إنَّما هو تَخْلِيفُهُ إيَّانَا، وإرْجَاؤُهُ أمْرَنَا، عَمَّنْ حَلَفَ له واعْتَذَرَ إلَيْهِ فَقَبِلَ منه."الراوي : كعب بن مالك - المحدث : البخاري - المصدر : صحيح البخاري.


الشرح:
الشاهد من الحديث:حتَّى إذَا جَاءَنِي دَفَعَ إلَيَّ كِتَابًا مِن مَلِكِ غَسَّانَ، فَإِذَا فِيهِ: أمَّا بَعْدُ، فإنَّه قدْ بَلَغَنِي أنَّ صَاحِبَكَ قدْ جَفَاكَ ولَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بدَارِ هَوَانٍ، ولَا مَضْيَعَةٍ، فَالحَقْ بنَا نُوَاسِكَ، فَقُلتُ لَمَّا قَرَأْتُهَا: وهذا أيضًا مِنَ البَلَاءِ، فَتَيَمَّمْتُ بهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهُ بهَا"ليحمي نفسه من الفتنة؟ أحرقها بالنار وقال هذا أيضًا من البلاء -أحرقها ليعتزل الفتنة ، كيف تعرف أن فيها فتنة ، هذه تحتاج بصيرة تحتاج نور ،سورة الكهف المفروض أنها تعطيك ذلك ،تعطيك النور، تعطيك أنك ترى الزينة على حقيقتها وليس بظاهرها فقط، تشعر أن الدنيا لا تستحق كله سيتحول إلى جرز "وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا"أصحاب الكهف لما فهموا ذلك تركوا واقع الزينة التي كانوا فيها ،بواقع الثراء والقصور، تركوا كل هذا واتجهوا من قصر إلى كهف .
يَحْكي كَعْبُ بن مالِك رضي الله عنه أنَّه رضي الله عنه لَم يَكُن مِن عادتِه التَّخَلُّفُ عَن الجِهادِ، فَهوَ رضي الله عنه قَد حَضَرَ جَميعَ غَزَواتِ الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم، وَلَم يَتَغَيَّب عَن غَزوةٍ مِنها عَدا غَزْوة بَدْرٍ، وَلا يُعَدُّ مَن غابَ عنها مُتَخَلِّفًا؛ لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم عِندَما خَرَجَ مِن المَدينةِ لَم يَخْرُج لقِتالٍ، وَإِنَّما خَرَجَ ليَتَصَدَّى لقافِلةِ قُرَيْش التِّجاريَّةِ وَيَستَولي عليها لمَصْلَحةِ المُسلِمينَ، وَلَكِنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم أرادَ العيرَ، واختارَ اللهُ لَه النَّفيرَ فَكانَ القِتال؛ وَلِذَلك لَم يُعاتِب صلَّى الله عليه وسلَّم أحَدًا غابَ عَن بَدْرٍ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّه إِذا كانَ قَد غابَ عَن غَزْوةِ بَدْرٍ، فَإِنَّ اللهَ قَد عَوَّضَه عنها بِحُضورِ بَيْعةِ العَقَبةِ الَّتي كانَ يَعتَزُّ بها كَثيرًا، وَكانَت غَزْوة تَبوكَ في حَرٍّ شَديدٍ وَهَدَفها غَزْو الرُّومِ وَتَجَهَّزَ رَسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم والمُسلِمونَ معه للْخُروجِ وَلَم يُرِد اللهُ تعالى لي في الخُروجِ. وَلَم يَتَذَكَّرْه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم حَتَّى وَصَلَ تَبوكَ وَهُناكَ سَألَ عَنه وَأثْنى عليه مُعاذُ بنُ جَبَلٍ رضي الله عنه. وَلَم يَكْذِب كَعْبُ بن مالِك رضي الله عنه عِنْدَما سَألَه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عَن سَبَبِ تَخَلُّفِه عَن الغَزوةِ بَل أجابَه بِكُلِّ صِدْقٍ، أنَّه لا يوجَدُ ما مَنَعَه مِن التَّخَلُّفِ أمَلًا أن يَكونَ الصِّدْق لَه مَنْجاة مِن غَضَبِ الله وَرَسولِه عليه. وَكانَ قَد تَخَلَّفَ معه في هَذِه الغَزْوةِ اثْنانِ مِن الأنصارِ هُما مرارةُ بن الرَّبيعِ وَهِلالُ بنُ أُمِّيَّة الواقِفيُّ. وَنَهى رَسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم المُسلِمينَ عَن التَّكَلُّم مَعَ الصَّحابةِ الثَّلاثةِ، فاعْتَزَلَ مَرارةُ وَهِلالٌ رضي الله عنهما في دارِهما، وَأمَّا كَعْبٌ رضي الله عنه فَكانَ يَمْشي بَينَ النَّاسِ وَيَشْهَد الجَماعةَ دونَ أن يَتكلَّمَ معه أحَدٌ. حَتَّى إنَّه حاوَلَ أنْ يَتكلَّمَ مَعَ ابْنِ عَمِّه وَأحَبِّ النَّاسِ إليه وابن عَمِّه أبي قَتادةَ رضي الله عنه، وَسَألَه: هَلْ تَعلَمني أُحِبُّ اللهَ وَرَسولَه؟ فَلَم يَرُدَّ عليه سِوى بِقَوْلِه: اللهُ وَرَسولُه أعلَم. ثُمَّ قابَلَ كَعْبٌ رضي الله عنه رَجُلًا نَبَطيًّا مِن الشَّامِ أعْطاه كِتابًا مِن مَلِك غَسَّانَ يَدْعوه بِتَرْكِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وَتَركِ أصْحابِه، مُنتَهِزًا تِلْكَ الفُرصةَ؛ ليَفْتِنَ كَعْبَ بنَ مالِك رضي الله عنه عَن دينِه، وَلَكِن كَعْبَ رضي الله عنه ثَبَتَ على الحَقِّ وَلَم يُلِقْ بالًا لِما قَرَأه. حَتَّى إِذا مَضَتْ أربَعونَ لَيلةً مِن الخَمسينَ، إِذا جاءَه أمْرُ رَسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بِاعتِزالِ امْرَأتِه وَأن لا يَقرَبها وَلا يُباشِرها هو وَمَن معه مِن المُتَخَلِّفينَ إِلَّا امْرَأة هِلالٍ فَقَد أَذِنَ لَها النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أن تَظَلَّ معه وَتَخدمَه شَريطةَ ألَّا يُباشِرَها مُباشَرةَ الأزْواجِ. وَيَحْكي كَعبٌ رضي الله عنه أنَّه لَمَّا صَلَّى صَلاةَ الفَجرِ صُبحَ خَمْسينَ لَيلةً مِن المُقاطَعةِ، سَمِعَ صَوتَ رَجُلٍ يُنادي بأعلى صَوتِه، صَعِدَ فَوقَ جَبَلِ سلع، وَصارَ يُنادي: يا كَعْبُ بنَ مالِك أَبشِر، قالَ: فَخَرَّ ساجِدًا حَمْدًا لله تعالى وَشُكرًا لَه على تَوبتِه عليه وَأعلَنَ رَسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بِتَوبةِ اللهِ على المُخَلَّفينَ وَهَنَّأه الصَّحابةُ بِبُشرى التَّوْبةِ عليه وَكانَ رَسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم في شِدَّةِ الفَرَحِ، وَقالَ لَه: أبْشِرْ بِخَيْر يَوم مَرَّ عليك مُنْذُ وَلَدَتْك أُمُّك، فَسَألَه كَعْبٌ: أمِنَ عِندِك يا رَسولَ اللهِ أم مِن عِندِ اللهِ؟ فَأجابَه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بِأنَّ اللهَ أنْزَلَ في تَوبتِه عليه وَعلى صاحِبَيْه قُرآنًا يُتْلى إلى يَومِ القيامةِ. وَلَيْسَ الَّذي ذَكَرَ الله مِمَّا خَلَّفَنا عَن الغَزْوِ، إِنَّما هو تَخْليفُه إيَّانا، وَإِرْجاؤُه أمْرَنا، عَمَّن حُلِّفَ لَه واعْتَذَرَ إليه، فَقَبِلَ مِنه. وَأرادَ كَعْبٌ أن يَتَصَدَّقَ بِمالِه كُلِّه في سَبيلِ الله، وَلَكِنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم أمَرَه أن يُمسِكَ عليه بَعضَ مالِه، أي: يَتَصَدَّق بالبَعضِ فَقَطْ، وَيُبقي عِندَه شَيْئًا مِن مالِه؛ لكَي يُنفِقَ بِه على نَفسِه وَعيالِه. وَيَحلِفُ كَعْبٌ رضي الله عنه: فَوالله ما أنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ مِن نِعمةٍ قَطُّ بَعدَ أن هَداني الله للإسلامِ أعْظَم في نَفْسي مِن صِدْقي لرَسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن لا أكونَ كَذَبتُه، فَأهْلِكَ كَما هَلَكَ الَّذينَ كَذَبوا.
"إِلَّا وَرَّى بِغَيرِها"، أي: إِلَّا أظْهَرَ للنَّاسِ أنَّه يُريدُ جِهةً أُخْرى حِرْصًا على الكِتمانِ.
"إِلَّا رَجُلًا مَغْموضًا عليه النِّفاق"، أي: إِلَّا رَجُلًا مُتَّهَمًا في دِينه أو رَجُلًا مِمَّن عَذَرَ اللهُ مِن الضُّعَفاءِ، يُعْنى أو رَجُلًا مَعْذورًا شَرعًا لمَرَضٍ بَدَنيٍّ أو عَجزٍ جِسْميٍّ كالأعمى والمُقعَدِ والمَريضِ وَنَحوِهم.
في الحَديثِ: فائِدةُ الصِّدْقِ، وَعاقِبتُه الحَميدةُ.
وفيه: التَّبشيرُ بِالخَيرِ، والتَّهْنِئةُ بِالنِّعْمةِ، كَما فَعَلَ أصْحابُ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.
وفيه: أنَّ إِعْطاءَ البَشيرِ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ والشِّيَمِ وَعادةِ الأشْرافِ.
وفيه: تَهْنِئةُ مَن تَجَدَّدَت لَه نِعْمةٌ دينيَّةٌ، والقيامُ إليه إِذا أقْبَلَ وَمُصافَحتُه.
وفيه: أنَّ خَيرَ أيَّامِ العَبدِ على الإِطلاقِ، وَأفْضَلها يَوم تَوبتِه إلى اللهِ، وَقَبول اللهِ تَوْبتَه.
وفيه: فَضيلةُ أهْلِ بَدْرٍ والعَقَبةِ.
وفيه: عِظَمُ أمْرِ المَعصيةِ.
وفيه: إِخْبارُ المَرْءِ عَن تَقصيرِه وَتَفريطِه .الدرر.

المواطن الثلاثة التي ذُكِرَتْ فيها الزينة في سورة الكهف :
"إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا"الكهف :7.
" وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا"8.

"وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُزِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا "الكهف: 28.

"الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا""الكهف:46.
كلها تحذير من فتنة الزينة .
فما هو الرشد ؟

الرشد :
- إصابة وجه الحقيقة
- هو السداد،
- هو السير في الاتجاه الصحيح.
فإذا أرشدك اللّه فقد أوتيت َخيرًا عظيمًا.. و بوركت خطواتك.
السؤال : ما الفرقُ بينَ الهدى وبينَ الرُّشدِ ؟

الجواب : الرُّشدُ يُقابَلُ بالغَيِّ، والهدى يُقابَلُ بالضَّلالِ " وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ ""وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ "الأعراف:146فالغَيُّ ضدُّ الرُّشدِ، والرُّشدُ: هو الاستقامةُ في العمل، والهدى: هو الاستقامةُ في العلمِ، وإذا اجتمعَا فُرِّقَ بينَهما، وإذا ذُكِرَ الهدى فإنَّه يشملُ الرُّشدَ، وإذا ذُكِرَ الرُّشدُ وحدَه دخلَ فيه معَ مفهومِ الهدى، فالرُّشدُ يتضمَّنُ الهدى، والهدى يتضمَّنُ الرُّشدَ، ولكن إذا ذُكِرَا معًا -الهدى والرُّشدُ- فرَّقْنا بينَهما بأنَّ الهدى في العلمِ، الاستقامةُ في العلمِ وإصابةُ الحقِّ في العلم، والرُّشدَ في العمل .
مواطن الرَّشد في سورة الكهف :

"إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا"الكهف:10.
"وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا" الكهف : 17.
"وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا" الكهف:24 .
"قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا"الكهف : 66.

آية عشرة آخر كلمة فيها:رَشَدًا:
"إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا"الكهف:10.

ما هو الشيء الذي طلبه أصحاب الكهف حين أووا للكهف وهم في شدة البلاء والملاحقة .. ؟
إنهم سألوا اللّه " الرُشد " دون أن يسألوه النصر، ولا الظفر،ولا التمكين
" رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا " -
" رشدا "..
وماذا طلب الجن من ربهم لما سمعوا القرآن أول مرة.. ؟
طلبوا " الرشد " قالوا
"قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا"الجن.
وفي قوله تعالى :
"وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ"
" الرشد "
فما هو الرشد ؟
الرشد :
- إصابة وجه الحقيقة
- هو السداد
- هو السير في الاتجاه الصحيح.
فإذا أرشدك اللّه فقد أوتيت َخيرًا عظيمًا.. و بوركت خطواتك.
"وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا" الكهف:24 ."وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا" الكهف : 17.
الدرس والعبرة من هذه الآيات :
- بالرشد تختصر المراحل وتختزل الكثير من المعاناة وتتعاظم النتائج، حين يكون اللّه لك " وَلِيًّا مُّرْشِدًا"ً
- حين بلغ موسى الرجل الصالح لم يطلب منه إلَّا أمرا ًواحدا ً وهو :
"قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا"الكهف : 66. - فقط رُشدًا ..
- عندما يهيئ اللّه -سبحانه وتعالى أسباب الرشد لنا، فإنه قد هيأ لنا أسباب الوصول للنجاح الدنيوي والفلاح الأخروي
"اللّهمّ هيئ لنا من أمرِنا رشدا"
مصطلح الرشد في القرآن الكريم تكررتسع عشرة مرة بالصيغ الموالية: الرُشْد- رَشَدا-الرَّشاد- يرشُدون- رشيد- مُرشد- الراشدون.
الرشد ورد في مقابل الغي في موضعين من موارد المصطلح هما قوله عز وجل "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ" "سورة البقرة، الآية: 245" وقوله: "وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا" "سورة الاَعراف: 145.
وعلي نفس المسار ورد في قوله صلى الله عليه وسلم في إحدى خطبه"مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوَى" والغَيُّ: الضلال والخيبة أيضًا جاءت مرادفة لكلمة الغي وقد غَوي بالفتح يَغْوي غَيًّا وغَوايَةً، فهو غاوٍ وغوٍ، وأغْواهُ غيره فهو غَوِيٌّ على فَعيلٍ .
الرشد جاء كذلك مقابلا للشر في قوله سبحانه وتعالى"وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الاَرض أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا" "سورة الجن، الآية:10"وللضر في قوله عز وجل"قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا" "سورة الجن، الآية: 21.
القرآن الكريم اعتبر الإيمان طريقا للرشد في آيات قرآنية منها قوله سبحانه "وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ اَجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُوْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ" "سورة البقرة، الآية: 185.
ومن خصائص مصطلح الرشد في القرآن الكريم ارتباطه بالقصص القرآني، حيث ورد في معظم موارده في سياق ذكر أخبار مؤمني الأمم السابقة كمؤمن آل فرعون وأصحاب الكهف، ثم ورد في سياق ذكر الجن الذين آمنوا بالقرآن،ودعوتهم قومهم واصفين القرآن الكريم بقولهم: "إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فأَمنا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا" سورة الجن، الآية 1-2".
لأهمية الرشد كطريق للإيمان اختيار الفتية الذين أووا فهم لم يسألوا الله النصر، ولا الظفر، ولا التمكين ..فقط قالوا " ربنا آتنا من لدنك رحمة وهئ لنا من أمرنا رشدا "

الجن كذلك كرروا نفس النهج حينما سمعوا القرآن أول مرة قالوا" إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدى إلي الرشد فآمنا به ".
وفي قوله تعالى" وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا "وحين بلغ موسى الرجل الصالح لم يطلب منه إلا أمرا واحدًا هو:" الرشد "" هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشداً "فقط رشدًا.
فالرشد هو:إصابة وجه الحقيقة ...و هو السداد ...وهو السير في الإتجاه الصحيح ..فإذا ارشدك الله فقد اوتيت خيرا عظيما... وكانت كل خطواتك مباركه.
الله تبارك وتعالي إذا هيأ لك أسباب *الرشد*، فإنه قد هيأ لك أسباب الوصول للنجاح الدنيوي والفلاح الأخروي ..فاللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا ..وأجعلنا الله وإياكم من الذين تحروا رشدا.

الشاهد أن كل قصة من القصص تعطي معنى معين، بحيث لما تمر على القصص بصورة مستمرة تشعر أن أنواع العبادات مختلفة ، أنك ممكن تضرب بسهم في أي نوع من أنواع العبادات .
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 10-15-2020, 08:59 PM
الصورة الرمزية أم أبي التراب
أم أبي التراب أم أبي التراب غير متواجد حالياً
غفر الله لها
 
تاريخ التسجيل: May 2017
المشاركات: 3,537
root

حصول العصمة بفواتح سورة الكهف أم بخواتيمها؟

"مَن حَفِظَ عَشْرَآياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ".الراوي : أبو الدرداء -المصدر : صحيح مسلم.
"

ومن قرأ عشرَ آياتٍ من آخرِها ثم خرج الدَّجالُ ؛ لم يُسلَّطْ عليه "الراوي : أبو سعيد الخدري -المحدث : الألباني -المصدر : صحيح الترغيب- الصفحة أو الرقم:1473-خلاصة حكم المحدث : صحيح لغيره .
-الترجيح من جهة السند والطريق.

قال ابن القيم رحمه الله في كتابه جلاء الأفهام :
"ومن ذلك ما ثبت عن النبي انه قال
مَن حَفِظَ عَشْرَ آياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ. رواه مسلم واختلف فيه فقال بعض الرواة من أول سورة الكهف وقال بعضهم من آخرها وكلاهما في الصحيح لكن الترجيح لمن قال من أول سورة الكهف لأن في صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان في قصة الدجال فإذا رأيتموه فاقرؤوا عليه فواتح سورة الكهف ولم يختلف في ذلك وهذا يدل على أن من روى العشر من أول السورة حفظ الحديث ومن روى من اخرها لم يحفظه . 379-من طبعة دار عالم الفوائد التي أشرف عليها الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله.

الترجيح من جهة المتن والمعنى
*حصول العصمة بفواتح سورة الكهف أو خواتيمها: الأصل فيه أن يكون لوجود مناسبة بين مدلول الآيات وفتنة الدجال، ومن الجائز أن يكون لمحض التعبد، أو لصرف الإرادة الإلهية القاضية بجعل بعض القران عاصما من الدجال دون بعضه، مع حصول التساوي بين جميع القران؛ فيكون تخصيص بعض الآيات دون بعض يعود لتخصيص تعبدي غير معقول المعنى، والأصل أن يكون التخصيص راجعا لمعنى مناسب.
ومتى أمكن العثور على المناسبة لم تجز الصيرورة إلى ما يضادها، لأنه يلزم منه اعتماد ما يكون مخالفا للأصل، مع قيام القرينة الدالة على إحراز المناسبة الموافقة للأصل.
والراجح أن العصمة تحصل بفواتح السورة، لا بخواتمها،
للأدلة التالية:
1- أن فواتحها تتحدث عن فرار الفتية بدينهم من فتنة الملك، واعتصامهم بالكهف المانع من اطلاع الملك عليهم.
وهو يناسب تمام المناسبة حال فرار المؤمنين من المسيح الدجال، واعتصامهم بالجبال عنه.
كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال:" ليَفِرَّنَّ الناسُ من الدجال في الجبال"
فحصل التشابه بينهم في العلة الموجبة للفرار، وفي العلة الغائية من الفرار، وفي طريقة التحصن والاعتصام.
فالعلة الموجبة للفرار هي خوف الفتنة والقتل، والعلة الغائية من الفرار هي تحصيل السلامة في الدين، وطريقة التحصن هي الاعتصام بالجبال، وكهوف الجبال.
فأولئك فروا بدينهم وهولاء فروا بدينهم، وأولئك فروا من أجل فتنة الملك، وهولاء فروا من أجل فتنة الدجال، وأولئك اعتصموا بكهف في جبل، وهولاء اعتصموا بالجبال.
2- أن الله يأمر الأرض- قبل خروج الدجال- فَتَحْبِسُ نَبَاتَهَا كُلَّهُ، فَلا تُنْبِتُ خَضْرَاءَ، كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك.
وقد قال الله في فواتح السورة" إنا جاعلون ما عليها صعيدا جرزا"
وهذا وإن كان يوم القيامة إلا أنه لا يخلو من مناسبة، فظهور الدجال من إرهاصات الساعة.
3- أن الآية العاشرة مختومة بدعاء يناسب حال الفارين من الدجال" ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا".
ثم قال تعالى " فضربنا على أذانهم في الكهف سنين عددا" فكان هذا الضرب منه على آذانهم من رحمته لهم، ولما كانت الرحمة الصادرة في حقهم مغايرة للرحمة الحاصلة لأمة محمد لم يناسب أن تكون هذه الآية من جملة الآيات المتلوة على الدجال.
فالخلاص من فتنة الدجال يكون بقتله بحربة المسيح عليه السلام، وهذا رحمة من الله ولكنها مغايرة للرحمة التي حصلت للفتية.
4- أن تلاوة هذه الآيات وحفظها يستدعي استحضار ما انتهى إليه أمر الفتية الذين تمسكوا بدينهم، من حصول ألطاف الله لهم، ونجاتهم من فتنة الملك، والثناء الباقي لهم بعد موتهم، فيحصل عند المتعرضين لفتنة الدجال من الثقة بالله، واليقين بأن العاقبة للمتقين، ومن الإيمان ما يكون سببا لثباتهم على الحق.
5- أنها لو كانت خواتيم الكهف لكان بداية الآيات العشر هي قوله تعالى" الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا"
وهي صفة لموصوف قبلها، ولا يحسن البداءة بصفة مقطوعة عن موصوفها.

6- دل الاستقراء على اعتبار المطابقة بين مدلول الآيات ومقتضى الحال، كالتحصن بالمعوذات المناسب مدلولها لدفع شر المخلوقات، وبين مدلول الآيات والفضل المترتب عليها، فدل على اعتبار جنس المناسبة في جنس مقتضى الحال، كقراءة الآيات التي تناسب المسحور، أو الآيات المناسبة لتعسر الولادة، وغير ذلك.
فقد ثبت الدليل على قيام المناسبة بين مدلول الآيات الخاصة مع مقتضى الحال، في وقائع معينة، وهو موجب لتوريث الظن باعتبار جنس المناسبة في جنس المقتضى للحال، كما لو دلت وقائع محصورة ثابتة عن المشرع على استخدام أداة القياس للتوصل إلى الحكم الشرعي، كان ذلك دليلا على صلاحية جنس القياس كأداة لاستفادة الأحكام الشرعية، ولم يكن ذلك مختصا بتلك الوقائع.
وكما لو ثبت بناء بعض الأحكام الشريعة على سد الذريعة، في أحكام خاصة، كان ذلك دليلا على اعتبار جنس سد الذرائع في بناء الأحكام، ولم يكن ذلك مقصورا على تلك الموارد، كما يقول به من يمنع بناء الأحكام على عنوان سد الذريعة.
والمقصود هنا: أنه قد حصلت المناسبة بين فواتح السورة مع مقتضى الحال، ولم تحصل المناسبة مع خواتيم السورة، فكان هذا مسوغا للترجيح.
فهذا ترجيح من جهة المتن والمعنى، وذاك ترجيح من جهة السند والطريق.
ملتقى أهل الحديث.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة




الساعة الآن 04:44 PM


Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2021 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved. تركيب: استضافة صوت مصر