العودة   ملتقى نسائم العلم > ملتقى الفقه > ملتقى الفقه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 04-21-2018, 03:20 AM
الصورة الرمزية أم أبي التراب
أم أبي التراب أم أبي التراب غير متواجد حالياً
غفر الله لها
 
تاريخ التسجيل: May 2017
المشاركات: 2,636
Post من ترك واجبًا في نسكه

مسألة : من ترك نسكًا فعليه دم
الأمر فيه خلاف بين العلماء
قال الشخ محمد ناصر الدين الألباني:
أنا أقول بالنسبة لمثل هذا السؤال أرجو من طلاب العلم فضلاً عن أهل العلم أن يدندنوا ليس فقط هل يجب دم أو لا يجب، لأنهم قد يبحثون في مسألة أقل ما يقال فيها إنها موضع خلاف، فأرجو أن يبدأوا البحث فيما لا خلاف فيه، وهو أن نتساءل هل يأثم من ترك واجبا من واجبات الحج فضلاً عما إذا ترك واجبات من واجبات الحج أيأثم أم لا؟. من هنا ينبغي البدء في مثل هذه المسألة، وليس هل عليه دم أم لا. لأن اعتياد الكلام على النحو الأول، أي هل عليه دم أم لا ؟، لقد عود الناس على التساهل بالقيام بكثير من الواجبات لأنه يشعر في قرارة نفسه أنه يجد له مخرجا من الخلاص من إثم مخالفته، وترك الواجب بأن يقال له عليك دم، وبخاصة أن الدم - إيجاب الدم - من يقول به ويتوسع فيه بناء على أثر ابن عباس السابق ذكره، إنما يمكن أن يُتبنى فيما إذا كان ترك شيئا من الواجبات سهواً، أما إذا كان تركها عمداً فأنا أجد فرقاً كبيراً جداً بين من يتعمد ترك الواجب فيكون آثما، وبين من لا يتعمد ترك الواجب فيكون غير آثم، مَثَلُ هذين كمثل من يحلف يمينا غموسا أو يمينا خطأ كما قال عليه السلام: ( من حلف على يمين ثم رأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه ) فكفارة اليمين إنما تشرع في مثل هذا الحالف الذي أراد خيراً فأخطأه أما من حلف كاذباً فهو كما جاء في بعض الأحاديث: ( اليمين الغموس تدع الديار بلاقع )، فاليمين الغموس ليس له كفارة لأن الحالف قد انغمس في الإثم فليس له مخرج منه إلا بتوبة نصوح، كذلك أولئك الذين يَكْثُر منهم الإخلال بكثير من الواجبات في الحج، هؤلاء قد أحاط بهم إثمهم، وأحاطت بهم سيئاتهم، فهؤلاء لا ينبغي أن نفسح لهم المجال بأن نقول لهم عليك كفارة لأن الكفارة التي نعلمها إما أن تكون على باب الشكر لله - عز وجل - كمثل حج المتعة، أو أن يكون كفارة لشيء يضطر أن يقع فيه الإنسان ذلك كمثل حلق الرأس حينما يجد ضرورة لحلقه، أو الرجل الذي أحصر ولم يستطع أن يستمر في حجته أو عمرته فكفارة هذا الإخلال أو ذاك هو أن يذبح، أن يقدم هدياً أو فدياً، أما أن يتعمد مخالفة الشريعة فيكون بذلك آثماً ثم نخرج له مخرجًا بأن عليك دم، هذا مع أنه ليس عندنا نص يلزمنا بذلك فلا يستقيم مع توجيهات الشريعة بحض الناس على طاعة الله ورسوله وكل ما ساعد على مخالفة الأحكام الشرعية ينبغي أن يوضع له حد ولا يتوسع فيه نعم .
الحويني : شيخنا أعزك الله، بالنسبة لحديث أثر ابن عباس : " من ترك نسكاً " ألا يكون المقصود من قوله يعني من ترك نسكاً متعمدًا، وبهذا يختلف عن حديث صاحب الجبة لأنه كان جاهلاً بالحكم؟ .
الشيخ : الذين يوجبون الدماء لا يفرقون بين المتعمد وبين المخطئ، فعلى كل حال حديث ابن عباس موقوف، لم نجد في الصحابة ما يؤيده، فنحن في حل منه .
لسماع المقطع الصوتي للشيخ الألباني = هنا =
= هنا=

*حديث صاحب الجبة: "أن يَعْلى كان يقولُ: ليتني أرى رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم حين يُنزَلُ عليه، فقال: فبينا النبيَّ صلى الله عليه وسلم بالجِعْرانَة ، وعليه ثوبٌ قد أُظِلَّ به، معه ناسٌ من أصحابِه ، إذ جاءَه أعرابيٌ عليه جُبَّةٌ ، مُتضَمِّخٌ بطيْبٍ ، فقال: يا رسولَ اللهِ، كيف ترى في رجلٍ أَحَرَمَ بعمرةٍ في جُبَّةٍ بعدَ ما تَضَمَّخَ بالطيْبِ ؟ فأشار عمرُ إلى يَعْلى بيدِه: أن تعالَ ، فجاء يَعْلَى فأدخل رأسَه ، فإذا النبيُّ صلى الله عليه وسلم مُحْمَرُّ الوجه ، يَغِطُّ كذلك ساعةً، ثم سُرِّيَ عنه، فقال: أين الذي يَسألُني عن العمرةِ آنفًا . فالتمس الرجلُ فأُتِيَ به، فقال: أما الطيْبُ الذي بك فأغسِلْه ثلاثَ مراتٍ ، وأما الجُبَّةُ فانْزِعْها، ثم اصنعْ في عمرتِك كما تصنعُ في حجِّك ."الراوي : صفوان بن يعلى بن أمية - المحدث : البخاري - المصدر : صحيح البخاري -الصفحة أو الرقم: 4329 - خلاصة حكم المحدث : صحيح-الدرر-
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 04-21-2018, 03:38 AM
الصورة الرمزية أم أبي التراب
أم أبي التراب أم أبي التراب غير متواجد حالياً
غفر الله لها
 
تاريخ التسجيل: May 2017
المشاركات: 2,636
root


قال شيخنا العلامة الفقيه محمد إبراهيم شقرة في كتابه المتع " إرشاد الساري إلى عبادة الباري ـ القسم الثاني الحج " (42 ـ44) :
" من يقرأُ الفقهَ على المذاهب كلِّها ، يروعه كثرة الدماءِ التي تُفرَضُ على كل مخالفة قد يرتكبها المسلم أثناء إحرامه ، وتأْديته مناسكه .
ونحن إذا أمعنا النَّظر ، وتجرَّدنا من العصبية المذهبية ، وتقصينا الأدلة التي جاءت في القرآن ، أو صحَّت نسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، علمنا أنَّ هذه الكثرة من الدِّماءِ ليست مشروعةً ، وأنَّ المشروع منها خمسة فقط :
الأول : دمُ التمتع والقران ، وهو الدم الذي يجب على الحاج الذي لبَّى بعمرة متمتعاً بها إلى الحج ، أو لبَّى بحج وعمرة قارناً بينهما .
الثاني : دم الفدية ، الذي يجب على الحاج إ ذا حلق شعره لمرض أو شيءٍ مؤْذٍ .
الثالث : دمُ الجزاءِ ، وهو الدم الذي يجب على المحرم إذا قتل صيدًا برِّيًا ، أما صيد البحر فلا شيءَ منه عليه .
الرابع : دمُ الإحصار ، ويكون بسبب انحباسه عن إتمام المناسك لمرض أو عَدُوًّ أو غير ذلك ، ولا يكون قد اشترط عند إحرامه ، أي لم يقل عند تلبية الحج : اللهم مَحِليِّ حيث حبستني.
الخامس : دمُ الوطءِ ، وهو دم يُفرض على الحاج إذا وطىءَ أثناء حجه ، فإن كان قد وطىءَ قبل رمي جمرة العقبة صبيحة يوم النحر فعليه بدنة ، مع بطلان حجهِّ ، وإن كان وطىءَ بعد الرمي وقبل طواف الإفاضة فعليه شاة .
ومثل الرجل في هذا المرأة سواءً بسواءٍ ، غير أنها إذا كانت مكرهةً في وطئِها فلا هدي عليها ، وأيضاً فإن حجَّها صحيح بخلاف زوجها الواطىءِ ، إن كان قد وطىءِ قبل رمي جمرة العقبة .
ولا يجب على الحاج دمٌ غير هذه الدماءِ ، إذ ليس على ذلك دليل يصلح للاعتماد عليه ، وقد اعتمد الفقهاءُ قديماً وحديثاً في كثرة الدماءِ التي يوجبونها في مخالفات الحج ، على أثر ابن عباس رضي الله عنهما المشهور وهو : " من نسي من نُسُكِهِ شيئاً أو تركه فليُهْرِقْ دماً " .
وهذا الأثر فضلاً عن كونه مُصادمًا لصريح السُّنة كما سنبين ، فهو قد تفرد به ابن عباس رضي الله عنهما ، فيُصْبح رأيًا ارتآه ابن عباس وحده ، مصادماً لصريح السُّنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلكم : " أن رجلاً جاءَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو متضمِّخٌ بطيب، فقال: يا رسولالله ، كيف ترى في رجل أحرم في جُبَّةٍ بعدما تضَمَّخَ بطيب ؟ . فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم ساعةً ، فجاءه الوحي ، ثم سُرِّيَ عنه فقال : أين الذي سأَلني عن العمرة آنفًا ، فالْتُمِسَ الرجلُ فجيءَ به فقال : أَمَّا الطِّيبُ الذي بك فاغسله ثلاث مرات ،وأما الجُبَّة فانزِعها ، ثم اصنع في العمرة كلَّ ما تصنع في حجَّك"
فهذا الحديث ، يدلّ دلالةً صريحةً ، على أن من أتى مخالفةً أو محظوراً من محظورات الإحرام ، فليس عليه إلا يدعه فقط ، لأن الرسول عليه السلام لم يأمر الرجل لابس الجبَّة المتضمخ بطيب النِّساء ـ وهو الخلوق كما جاء في روايةٍ أخرى ـ إلا أن ينزع الجبة ويغسل الطيب ، ولم يأمره بذبح هدي الجزاء ، ولو كان واجبًا لأمره به ، لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، والحاجة قائمة هنا ، والوحي قد نزل بالحكم الفصل .
والصحابي مهما بلغ من منزلة وعلم ، فأثره لا يُقدم على سنة صحيحة صريحة من سنن الرسول صلوات الله عليه .
إذاً فمن الحق أن يقال : إن ابن عباس ـ رضي الله عنه ، على جلالة قدره في العلم ـ اجتهدا رأيه ، فلربما لم يبلغه هذا الحديث الصحيح ، واختلاف الصحابة مشهور لا يخفى ، وهو مبنيٌّ على هذا الأصل ، ألا وهو : خفاء السنن وعلى تفاوتهم في العلم .
ولا يقال هنا : إن الصحابة لم ينكروا عليه ، فعدم معرفتنا بذلك لا يعني أن الصحابة لم ينكروا غاية ما يقال : إنه لم يصلنا
ولا ننسى أن كثرة الدماء لم تؤد إلى التساهُل في المناسك فحسب ، بل إلى الاستهانة بأداء مناسك الحج ، وإتمامها على مثل ما بين الرسول عليه السلام ، وهذا أخطر ما في التدميم "
قال مبارك : وما رجحه شيخنا محمد إبراهيم شقرة هو مذهب أهل الظاهر ومال إليه الإمام الشوكاني ، والعلامة صديق حسان خان القنوجي وبه يقول شيخنا الإمام محمد ناصر الدين الألباني،
واختاره أيضًا مراد شكري في كتابه النفيس" المنخّلة النونية فيفقه الكتاب والسنة النبوية " 102: فقد قال في آخر بحثه حول هذه المسألة : ولذلك كان الأرجح ما ذهب إليه الظاهرية من أنه لا دم إلا ما ورد في النص ، ومن تأمل الخلاف الحاصل حول الدماء بين من قال به ؛ قطع يقينه بخلاف ما ذهبوا إليه ، "
وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا " النساء 82-
ملتقى أهل الحديث = هنا=
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 04-21-2018, 03:46 AM
الصورة الرمزية أم أبي التراب
أم أبي التراب أم أبي التراب غير متواجد حالياً
غفر الله لها
 
تاريخ التسجيل: May 2017
المشاركات: 2,636
Arrow

يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في الشرح المممتع:
الدليل على وجوب الدم الأثر المشهور عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنه قال: «من ترك شيئًا من نسكه، أو نسيه فليهرق دمًا»
وهذا نسك واجب أمر به النبي صلّى الله عليه وسلّم، فيكون في تركه دم، وهذا الأثر مشهور عند العلماء واستدلوا به، وبنوا عليه وجوب الفدية بترك الواجب،
وقالوا في تقرير هذا الدليل:
إن هذا قول صحابي ليس للرأي فيه مجال فوجب العمل به؛ لأن قول الصحابي الذي ليس للرأي فيه مجال يكون له حكم الرفع.
وقال بعض العلماء:
يمكن أن يكون صادراً عن اجتهاد، ويكون للرأي فيه مجال، وجهه أن يقيس ترك الواجب على فعل المحرم، أي فعل محظورات الإحرام التي فيها دم؛ لأن في الأمرين معًا انتهاكًا لحرمة النسك، فترك الواجب انتهاك لحرمة النسك، وفعل المحظور انتهاك لحرمة النسك، فيكون ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ بنى هذا الحكم على اجتهاد، وإذا بناه على اجتهاد، فإنه يكون قول صحابي وليس مرفوعًا.
ويبقى النظر، هل قول الصحابي حجة؟
الجواب:
فيه خلاف بين العلماء مشهور في أصول الفقه، وهو عند الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ حجة ما لم يخالف نصًا أو قول صحابي، فإن خالف نصًا فلا عبرة به، العبرة بالنص، وإن خالف قول صحابي طلب الترجيح بين القولين.
إذًا المسألة على هذا التقرير تكون من باب الاجتهاد، ونحن نفتي الناس بالدم، وإن كان في النفس شيء من ذلك، لكن من أجل انضباط الناس، وحملهم على فعل المناسك الواجبة بإلزامهم بهذا الشيء؛ لأن العامي إذا قلت له: ليس عليك إلا أن تستغفر الله وتتوب إليه، سهل الأمر عليه، مع أن التوبة النصوح أمرها صعب.
وقال في موضع آخر:
قوله: «فعليه دم» ما الدليل على أن تارك الواجب عليه دم؟
هذا ـ أيضًا ـ يحتاج إلى دليل واضح يستطيع أن يواجه الإنسان ربه به، إذا أوجب على عباد الله ما لم يوجبه الله عليهم؛ لأن إيجاب ما لم يجب كإسقاط ما وجب أو أشد؛ لأن إسقاط ما يجب تخفيف، وإيجاب ما لم يجب تشديد، والموافق للإسلام التخفيف، فإيجاب ما لم يجب أشد من إسقاط ما يجب؛ لأنه أعظم، وفيه قول على الله بلا علم، وإشقاق على العباد، وإسقاط ما وجب بمقتضى الاجتهاد ليس فيه إلا شيء واحد، وهو إسقاط ما عسى أن يكون واجبًا، لكن هل فيه تكليف على العباد؟
الجواب:
لا، وكذلك نقول في التحريم والتحليل، فتحريم ما كان مباحاً أشد من إباحة ما عسى أن يكون حراماً.
والدليل على هذا:
قول صحابي جليل وهو ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ حيث قال: «من ترك شيئًا من نسكه، أو نسيه فليهرق دمًا» ، ومبنى هذا الاستدلال على أن مثل هذا القول لا يقال بالرأي، فيكون له حكم المرفوع؛ لأن الصحابي إذا قال قولاً أو فعل فعلاً لا يقال بالرأي ولا يفعل بالرأي حمل على أنه مرفوع حكمًا، ولا يرد على هذا القول الشبهة التي أثيرت حول ما يخبر به عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ عن بني إسرائيل، وأنه ممن عرف بالتساهل في النقل عنهم، مع أن الأمر ليس بصحيح، بل يشدد في النقل عنهم، كما سبق، كما أن هذا حكم وليس خبرًا،
فعليه نقول ما يلي:
أولاً:
هذا الحكم صدر من عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وله حكم الرفع؛ لأن مثله لا يقال بالرأي.
ثانياً:
على فرض أن مثله يقال بالرأي وأن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ اجتهد فأداه اجتهاده إلى وجوب الدم، فإنه قول صحابي لم يظهر له مخالف فكان أولى بالقبول من قول غيره، وهذا الاحتمال على تقدير أنه لم يثبت له حكم الرفع، وأنه قاله بالاجتهاد.
وكيف يكون بالاجتهاد؟
الجواب:
لأنه ـ رضي الله عنه ـ رأى أنَّ تركَ ما يجب كفعل ما يحرم، كلاهما انتهاك للنسك، وفعل ما يحرم ثبت بالنص القرآني أن فيه نسكاً، قال الله تعالى: {{وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ}} [البقرة: 196] ، وابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ اختار أكمل الثلاثة فقال: «من ترك شيئًا من نسكه أو نسيه فليهرق دمًا» ، فيكون هذا الرأي مبنياً على اجتهاد، وهو قياس انتهاك النسك بترك الواجب على انتهاكه بفعل المحظور، فوجب الدم.
ونحن نقول:
إن ثبت هذا من جهة النظر، أي إن سُلِّمَ الدليل من جهة النظر، وأن في ترك الواجب دماً فذاك، وإن لم يسلم، وقيل: الأصل براءة الذمة، وقول الصحابي المبني على الاجتهاد كقول غيره من الناس فيقال: في إيجاب الدم بترك الواجب مصلحة، وهي حفظ الناس عن التلاعب، فلو قيل: ليس في ترك الواجب دم، وأن في تركه الاستغفار والتوبة، فأكثر الناس لا يهتمون، يقول: أملأ لك أجواء مكة كلها إلى المدينة استغفاراً وتوبة ولا مانع عندي، لكن لا تجعلني أخسر، ولو خمسين ريالاً، فكثير من الناس يهمه المال أكثر من انتهاك النسك.
فلو قيل:
إن هذا واجب، ومن تركه فهو آثم، وعليه التوبة والاستغفار، فهل يحترم الناس هذا النسك، كما لو قلنا إن فيه الدم تذبحه في مكة، وتوزعه على الفقراء؟
الجواب:
لا، لا يكون نظر الناس إلى الواجب سواء؛ لهذا نرى إلزام الناس بذلك، وإن كان ثبوته من حيث النظر والاستدلال فيه مناقشة واعتراض، فنقول: إن هذا من باب تربية المسلمين على التزامهم بالواجب، وما دمنا مستندين إلى قول صحابي جليل دعا له النبي صلّى الله عليه وسلّم «أن يفقهه الله في الدين ويعلمه التأويل» (10) ، فإننا نرجو أن نكون قد أبرأنا ذمتنا بذلك، والله يعلم المفسد من المصلح.
ولهذا نحن نفتي بأنه يجب على من ترك واجبًا أن يذبح فدية يوزعها على الفقراء في مكة لهذا النظر الذي ذكرناه، لكن إذا لم يجد دمًا، فالمذهب الواجب عليه أن يصوم عشرة أيام، ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، فإن لم يتمكن من صيامها في الحج صامها في بلده.
لكن هذا القول لا دليل عليه لا من أقوال الصحابة ولا من القياس.
وليس هناك دليل على أن من عدم الدم في ترك الواجب يجب عليه أن يصوم عشرة أيام؛ لأن قياس ذلك على دم المتعة قياس مع الفارق؛ فدم المتعة شكران، وأما الدم لترك الواجب فدم جبران، لذلك نرى أن القياس غير صحيح، وحينئذٍ نقول لمن ترك واجباً: اذبح فدية في مكة ووزعها على الفقراء بنفسك، أو وَكِّلْ من تثق به من الوكلاء، فإن كنت غير قادر فتوبتك تجزئ عن الصيام لقوله تعالى: {{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}} [التغابن: 16] ، وهذا هو الذي نراه في هذه المسألة.
وقال في موضعٍ ثالث في الشرح الممتع:
مسألة: قال في الروض: «والدم الواجب لفوات، أو ترك واجب كمتعة» ، أي: كدم المتعة.
والفوات أن يطلع فجر يوم النحر قبل أن يقف بعرفة، فيفوته الحج، ويلزمه دم لفواته إذا لم يكن اشترط، وكذا الدم الواجب لترك واجب إذا عدمه يصوم عشرة أيام، ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع.
مثاله:
لو ترك رمي الجمرات فيلزمه دم، فإن عدمه صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع؛ والعلة القياس على دم المتعة، ولكن هذا فيه نظر؛ لأن هناك فرقًا بين دم المتعة، وبين ترك الواجب.
فالدم الواجب لترك الواجب دم جبران للنقص، والدم الواجب للمتعة والقران دم شكران للتمام، فكيف نقيس هذا على هذا؟
لعلنا لا نعارض في وجوب الدم على من ترك الواجب، بمعنى عسى أن نلزمه بالدم؛ لأنه لا دليل على إيجاب الدم على من ترك الواجب إلا أثر ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنه قال: «من نسي شيئاً من نسكه، أو تركه فليهرق دمًا»، فالرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ لم يرد عنه أن من ترك واجبًا فعليه دم.
لكن هذا الأثر تلقاه العلماء بالقبول، وقالوا: من ترك شيئًا من نسكه فعليه دم، مع أنهم لا يقولون بإطلاقه، ولو قلنا بإطلاقه، لقلنا من ترك الاضطباع فعليه دم، ومن ترك صلاة ركعتين خلف المقام فعليه دم، ومن ترك الوقوف عند المشعر الحرام حتى يسفر فعليه دم، فيحملونه على من ترك شيئًا من نسكه الواجب أو نسيه.
قالوا:
وله، ـ أي: لأثر ابن عباس ـ حكم الرفع، ولكن قد يقال: هذا ليس له حكم الرفع؛ لأن ما يثبت له حكم الرفع ما قاله الصحابي وليس للرأي فيه مجال، وهنا ربما يكون للرأي فيه مجال، فربما يرى ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ، أنه إذا كان انتهاك النسك بفعل المحظور موجبًا للدم، فانتهاك النسك بترك المأمور مثله، فيكون للرأي فيه مجال.
فلا يستقيم الاستدلال به على وجوب الدم بترك الواجب، أو صيام عشرة أيام على من عدمه.
والذي يظهر لي أن من ترك واجباً فعليه دم احتياطًا واستصلاحًا للناس؛ لأن كثيراً منهم قد يتساهل إذا لم يكن عليه شيء، فإن لم يجد فليس عليه شيء؛ لأن الإيجاب على العباد ليس هينًا، فإيجاب ما لم يجب كتحريم ما لم يحرم، بل قد يكون أشد؛ لأنك تشغل ذمة العبد بما أوجبت بلا دليل.
فهذه قاعدة ينبغي أن تكون على بال طالب العلم: «أن الإيجاب بلا دليل كالتحريم بلا دليل».
*منقول*


رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة




الساعة الآن 09:39 AM


Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2019 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved. تركيب: استضافة صوت مصر