العودة   ملتقى نسائم العلم > ملتقى القرآن والتفسير > ملتقى القرآن والتفسير

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 11-12-2020, 10:34 PM
الصورة الرمزية أم أبي التراب
أم أبي التراب أم أبي التراب غير متواجد حالياً
غفر الله لها
 
تاريخ التسجيل: May 2017
المشاركات: 3,489
Post وقفات مع الربع الثالث لسورة البقرة

الربع الثالث من سورة البقرة
45 - 48 " وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ "
أمرهم الله أن يستعينوا في أمورهم كلها بالصبر بجميع أنواعه، وهو الصبر على طاعة الله حتى يؤديها، والصبر عن معصية الله حتى يتركها, والصبر على أقدار الله المؤلمة فلا يتسخطها، فبالصبر وحبس النفس على ما أمر الله بالصبر عليه ؛معونة عظيمة على كل أمر من الأمور, ومن يتصبر يصبره الله.
"إنَّ نَاسًا مِنَ الأنْصَارِ سَأَلُوا رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ، فأعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ، فأعْطَاهُمْ حتَّى نَفِدَ ما عِنْدَهُ، فَقَالَ: ما يَكونُ عِندِي مِن خَيْرٍ فَلَنْ أدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، ومَن يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، ومَن يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ ومَن يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وما أُعْطِيَ أحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ".صحيح البخاري.

وفي الحَديثِ: أنَّ الأخلاقَ الكريمةَ يُمكِنُ اكتِسابُها والوصولُ إليها عن طَريقِ التعوُّدِ عليها.
وفيه: الحَضُّ على الاستِغناءِ عن النَّاسِ بالصَّبرِ، والتَّوكُّلِ على اللهِ، وانتظارِ رِزقِ اللهِ سُبحانَه، وأنَّ الصَّبرَ أفضلُ ما أُعطيَه المؤمنُ، وكذلك الجَزاءُ عليه غيرُ مُقدَّرٍ ولا مَحدودٍ..
قال تعالى"قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ" الزمر :10.

وكذلك الصلاة
التي هي ميزان الإيمان، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، يُستعان بها على كل أمر من الأمور.

لقد فتح الله عز وجل في هذه الآية العظيمة أفاقًا واسعة للإنسان لكي يستعين على جميع ما يتعرض له ويصيبه من البلاء والمصائب والفتن والهموم والأوجاع ....., وكذلك استجلاب ما تهفو له نفسه و تتشوق إليه من طلب مرضاة الله عز وجل والتقلب في واحات عبادتِه و طاعتِهِ، فتضمنت هذه الآية الكريمة جلب الخير و دفع الشر.
إنه لا بد للإنسان الفاني الضعيف المحدود أن يتصل بالقوة الكبرى، يستمد منها العون حين يتجاوز الجهد قواه المحدودة
من الأمثلة على أن الاستعانة بالصلاة من أعظم الأسباب لجلب الخير ودفع الشر:
ما أرشد الله عز وجل بني إسرائيل إليه لما أشتد عليهم البلاء من قبل فرعون وزبانيته فقال"
وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ" يونس : 87 .
قال ابن كثير رحمه الله عند هذه الآية : وكان هذا - والله أعلم - لما اشتد بهم البلاء من قِبَلِ فرعون وقومه وضيقوا عليهم ، أمروا بكثرة الصلاة، وتأمل قوله عز وجل على هذا الأمر فقال "وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ" فإذا فعلوا هذا الأمر فليبشروا حينئذ بالنصر والتمكين ، و أنهم قد تمسكوا بالحبل الذي يعصمهم الله عز وجل به من الفتن والبلاء ، ففي هذه الآية توجيه رباني لكل من تعرض للأذى و البلاء أن يستعين بالصلاة ويكثر منها .
وقد سار على هذا النهج الأنبياء صلوات الله عليهم ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم " لَمْ يَكْذِبْ إبْرَاهِيمُ عليه السَّلَامُ إلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ"


" فذكرها إلى أن قال: وقالَ: بيْنَا هو ذَاتَ يَومٍ وسَارَةُ، إذْ أَتَى علَى جَبَّارٍ مِنَ الجَبَابِرَةِ، فقِيلَ له: إنَّ هَا هُنَا رَجُلًا معهُ امْرَأَةٌ مِن أَحْسَنِ النَّاسِ، فأرْسَلَ إلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَقالَ: مَن هذِه؟ قالَ: أُخْتِي، فأتَى سَارَةَ قالَ: يا سَارَةُ: ليسَ علَى وجْهِ الأرْضِ مُؤْمِنٌ غيرِي وغَيْرَكِ، وإنَّ هذا سَأَلَنِي فأخْبَرْتُهُ أنَّكِ أُخْتِي، فلا تُكَذِّبِينِي، فأرْسَلَ إلَيْهَا فَلَمَّا دَخَلَتْ عليه ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بيَدِهِ فَأُخِذَ، فَقالَ: ادْعِي اللَّهَ لي ولَا أَضُرُّكِ، فَدَعَتِ اللَّهَ فَأُطْلِقَ، ثُمَّ تَنَاوَلَهَا الثَّانِيَةَ فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَدَّ، فَقالَ: ادْعِي اللَّهَ لي ولَا أَضُرُّكِ، فَدَعَتْ فَأُطْلِقَ، فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ، فَقالَ: إنَّكُمْ لَمْ تَأْتُونِي بإنْسَانٍ، إنَّما أَتَيْتُمُونِي بشيطَانٍ، فأخْدَمَهَا هَاجَرَ، فأتَتْهُ وهو قَائِمٌ يُصَلِّي، فأوْمَأَ بيَدِهِ: مَهْيَا، قالَتْ: رَدَّ اللَّهُ كَيْدَ الكَافِرِ، أَوِ الفَاجِرِ، في نَحْرِهِ، وأَخْدَمَ هَاجَرَ" قالَ أَبُو هُرَيْرَةَ تِلكَ أُمُّكُمْ يا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ"صحيح البخاري.

فَأُخِذَ :أي: اختَنقَ حتَّى ركَضَ بِرِجلِه كأنَّهُ مَصروعٌ.
مَهْيَا:أي ما الخبر ؟
قالَ أَبُو هُرَيْرَةَ تِلكَ أُمُّكُمْ يا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ:أرادَ بِهمُ العَربَ؛ لأنَّهم يَعيشونَ بالمَطرِ ويتَّبِعونَ مواقعَ القَطرِ في البَوادي لأَجلِ المواشي، والمرادُ: فتِلكَ المرأةُ التي هيَ هاجرُ هيَ أمُّكمْ أيُّها العربُ.
فدل على أن بمجرد ذهابها فزع عليه الصلاة والسلام إلى الصلاة حتى عادت و بشرته أن الله قد كف يد الظالم ، فتأمل استعانته بالصلاة على هذا الأمر الجلل أن تدرك مدى تعظيم أنبياء الله عز وجل لشأن هذه الصلاة وتعلقهم بها ومعرفتهم بأثرها ،لهذا قال ابن حجر في فوائد هذا الحديث : وفيه أن من نابه أمر مهم من الكرب ينبغي له أن يفزع إلى الصلاة . وقد كان هذا هو دأب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حيث كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.

· عن حذيفةَ قالَ "كانَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ إذا حزبَهُ أمرٌ صلَّى"صحيح أبي داود.
عن علِيٍّ قالَ : لقَدْ رأيتُنا ليلةَ بَدرٍ وما مِنَّا إلا نائِمٌ، إلَّا رسولَ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلَى آلِهِ وسلَّمَ - فإنَّهُ كانَ يُصلِّي إلى شجَرةٍ، ويدعو حتَّى أصبحَ . وما كانَ منَّا فارِسٌ يومَ بدرٍ، غيرَ المقدادِ بنِالأسوَدِ .الراوي : علي بن أبي طالب- المحدث : الوادعي- المصدر : الصحيح المسند -الصفحة أو الرقم988-خلاصة حكم المحدث : صحيح


وكذلك فعل في غزوة الأحزاب , ولما كسفت الشمس قام النبي صلى الله عليه وسلم فزعًا يجر رداءه ، وصلى بالناس صلاة الكسوف.
كُنَّا عِنْدَ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حتَّى دَخَلَ المَسْجِدَ، فَدَخَلْنَا، فَصَلَّى بنَا رَكْعَتَيْنِ حتَّى انْجَلَتِ الشَّمْسُ، فَقالَ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا، فَصَلُّوا، وادْعُوا حتَّى يُكْشَفَ ما بكُمْ.الراوي : أبو بكرة نفيع بن الحارث-المحدث : البخاري-المصدر : صحيح البخاري-الصفحة أو الرقم1040-خلاصة حكم المحدث : صحيح


إلى غير ذلك من الأمثلة و المقصود التنبيه عليها والتذكير بأهميتها .
و خلال نظرة سريعة فاحصة في أحوالنا اليوم نجد غياب مثل هذه المعاني السامية التي تنبع من خلال الفهم الصحيح لحقائق هذا الدين العظيم . .....وعدم تخطي هذه المرحلة إلى ما بعدها من السعي و العمل , ودعنا نتخيل أن مليار مسلم فزعوا إلى الله عز وجل وفروا إليه ليرفع عنهم البلاء وينصرهم على عدوهم فهل تقوم لعدوهم قائمة ؟! فالأمر يحتاج إلى صدق مع الله عز وجل واستغاثة به ولجوء إليه عند ذلك ليكون النصر تحقيقًا لا تعليقًا وقد وضح الله هذه الحقيقة في كلمتين . " إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ "الأنفال :9.

إنها الصلة المباشرة بين الإنسان الفاني و القوة الباقية.
و لكن ما هي الصلاة التي أمرنا الله عز وجل بالاستعانة بها على أمور ديننا ودنيانا ؟
إنها الصلاة التي حافظ عليها صاحبها كما قال عز وجل في صفاتالمؤمنين" وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ" المؤمنون : 9 . فهم يحافظون على شروطها وأركانها وواجباتها وسننها و مستحباتها يحافظون على رواتبها و نوافلها حريصون عليها أشد من حرص البخيل على ماله .صيد الفوائد .

{ وَإِنَّهَا } أي: الصلاة { لَكَبِيرَةٌ } أي: شاقة { إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ } فإنها سهلة عليهم خفيفة؛ لأن الخشوع, وخشية الله, ورجاء ما عنده يوجب له فعلها, منشرحا صدره لترقبه للثواب, وخشيته من العقاب، بخلاف من لم يكن كذلك, فإنه لا داعي له يدعوه إليها, وإذا فعلها صارت من أثقل الأشياء عليه.
والخشوع هو: خضوع القلب وطمأنينته, وسكونه لله تعالى, وانكساره بين يديه, ذُلًا وافتقارًا، وإيمانًا به وبلقائه.
ولهذا قال" الَّذِينَ يَظُنُّونَ " أي: يستيقنون " أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ " فيجازيهم بأعمالهم " وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ " فهذا الذي خفف عليهم العبادات وأوجب لهم التسلي في المصيبات, ونفس عنهم الكربات, وزجرهم عن فعل السيئات، فهؤلاء لهم النعيم المقيم في الغرفات العاليات، وأما من لم يؤمن بلقاء ربه, كانت الصلاة وغيرها من العبادات من أشق شيء عليه.
ثم كرر على بني إسرائيل التذكير بنعمته, وعظا لهم, وتحذيرًا وحثا.

وخوفهم بيوم القيامة الذي " لَا تَجْزِي " فيه، أي: لا تغني " نَفْسٌ " ولو كانت من الأنفس الكريمة كالأنبياء والصالحين " عَنْ نَفْسٍ " ولو كانت من العشيرة الأقربين " شَيْئًا " لا كبيرًا ولا صغيرًا وإنما ينفع الإنسان عمله الذي قدمه.

وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ (50) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَظ°كِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57)
المعنى الإجمالي:يُخاطِب الله تعالى بَني إسرائيل، ويُذكِّرهم بنِعمه التي أسبغها عليهم، ويَعني بها النِّعمَ التي أَنعم بها على آبائهم، وأنَّه فضَّلهم على سائر الأُمم من أهل زمانهم، ثم بعدَ أنْ ذكَّرهم بنِعمه وفضله عليهم، حذَّرهم وخوَّفهم، وأمرَهم بأنْ يجعلوا بينهم وبين عذاب الله تعالى وقايةً في يوم القيامة، الذي لا تَقضي فيه نفْسٌ عن نفس حقًّا وجَب عليها، ولا تُقبل من نفْس شفاعةٌ لنفس أخرى، إذا كانت كافرةً، ولا يُقبل منها فِداءٌ، ولا أحد يُنقذهم من عذاب الله تعالى.
ثم ذكَّرهم بإنجائه آباءَهم من فرعون وشيعتِه، الذين كانوا يُديمون تعذيبَهم بعذاب سيِّئ شديد، وهو ذبْح الأبناء الذُّكور، واستبقاء الإناث أحياءً؛ لإذلالهنَّ وإهانتهنَّ، وفي ذلك الإنجاءِ من العذاب نعمةٌ عظيمة لهم من ربِّهم.
ثم ذَكَّر بني إسرائيل بأنَّه فَرَق البحرَ لهم؛ ليسلكوا طريقًا للنجاة، فأنقذهم الله بذلك، وأغْرَق فِرعونَ وقومَه، وبنو إسرائيل ينظرون؛ ليكون أشْفَى لصدورهم، وأنكى لعدوِّهم.
وذَكَّرهم مواعدتَه لموسى أربعين ليلةً، ثم عبادتهم العِجلَ بعد أن فارقَهم موسى، وهم في هذا الفِعل ظالمون بوضعِهم العبادةَ في غير موضعها، ثم تجاوز الله عنهم؛ لعلَّهم يَشكُرونه على هذه النِّعمة.
وذكَّرهم إعطاءَه التوراةَ لموسى؛ ليهتدوا بها باتِّباع ما فيها.
ثمَّ ذكَّرهم مناداةَ موسى لهم، وإخبارهم أنَّهم تعدَّوْا في حقِّ أنفسهم باتِّخاذهم العِجلَ معبودًا، وأنَّ عليهم التوبةَ لخالقهم، بأن يقتُل بعضُهم بعضًا، وأنَّ ذلك أفضلُ لهم عند خالقِهم الذي تابَ عليهم؛ فهو التوَّاب الرَّحيم.
وذكَّرهم حِين قالوا لموسى عليه السَّلام: لن نُقِرَّ بما جِئتَ به، حتى نرَى اللهَ عِيانًا، فعُوقبوا بالصَّعق، ينظر بعضهم لبعض وهم يموتون، ثمَّ بعثَهم الله من بعد موتهم؛ ليشكروه على نِعمته عليهم بإحيائهم.
ثمَّ ذكَّرهم بتظليلهم بسحابٍ أبيضَ رقيق في أيَّام التِّيه؛ ليقيَهم حرارةَ الشَّمس، وبإنزال المنِّ والسَّلوى وأمرِهم بالأكلِ من طيِّب الرِّزق، ثم بيَّن تعالى أنَّهم بجحودهم، وعدمِ شُكرهم ومعصيتهم، لن يضرُّوا الله شيئًا، بل ذلك مضرَّةٌ لهم.

والمنُّ قيل هو كل ما امتن الله تعالى به عليهم من الطعام والشراب، مما ليس في تحصيله كلفة ولا مشقة .
وقيل: هوالتُّرنجبين، وهو شيءٌ أبيضُ ينزِلُ على الشَّجر كالندى، حُلوٌ، يُشبِه العسلَ الأبيض.
والسَّلوى طائر، قيل: هو السُّمَانَى، وقيل: يُشبه السُّمَانَى .

"وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ "58.
وهذا أيضًا من نعمته عليهم بعد معصيتهم إياه, فأمرهم بدخول قرية تكون لهم عزا ووطنا ومسكنا, ويحصل لهم فيها الرزق الرغد، وأن يكون دخولهم على وجه خاضعين لله فيه بالفعل, وهو دخول الباب سجدا" وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا"أي: خاضعين ذليلين، وبالقول وهو أن يقولوا" حِطَّةٌ"أي أن يحط عنهم خطاياهم بسؤالهم إياه مغفرته". نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ"بسؤالكم المغفرة، "وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ"بأعمالهم, أي: جزاء عاجل وآجلا.تفسير السعدي.
"قيلَ لِبَنِي إسْرائِيلَ"ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُولوا حِطَّةٌ"البقرة: 58. فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ علَى أسْتاهِهِمْ، فَبَدَّلُوا، وقالوا: حِطَّةٌ، حَبَّةٌ في شَعَرَةٍ"الراوي : أبو هريرة-المحدث : البخاري-المصدر : صحيح البخاري -الصفحة أو الرقم- 4479 خلاصة حكم المحدث : صحيح


"ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّةٌ"، يعني: ادخلوا بابَ القريةِ؛ والقريةُ قيل: هي بيتُ الْمَقْدِسِ، وقيل غيرُ ذلك، مُنْحَنِينَ كهيئةِ مَن يريدُ السُّجودَ؛ خُضوعًا للهِ تعالى وشكرًا وقولوا: حِطَّةٌ، أي: حُطَّ عنا ذُنُوبَنا واغفرْ لنا، فَبدَّل هؤلاءِ اليهود الظالمون ما أُمِروا به، ودخَلوا يَزحفُونَ على مؤَخِّراتِهم، وقالوا: حَبَّةٌ في شَعرَةٍ، وهذا كلامٌ مُهمَلٌ وغرَضُهم فيه مخالفةُ ما أُمِروا به مِنَ الكلامِ المستلزِمِ لِلاستغفارِ وطلَبِ حِطَّةِ العقوبةِ عنهم، فلمَّا عَصَوْا، عاقبهمُ اللهُ بالرِّجْزِ، وهو العذابُ الأليمُ، وقيل: الطَّاعونُ.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة




الساعة الآن 06:47 AM


Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2020 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved. تركيب: استضافة صوت مصر