العودة   ملتقى نسائم العلم > ملتقى القرآن والتفسير > ملتقى القرآن والتفسير

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 09-08-2020, 02:00 AM
الصورة الرمزية أم أبي التراب
أم أبي التراب أم أبي التراب غير متواجد حالياً
غفر الله لها
 
تاريخ التسجيل: May 2017
المشاركات: 3,429
Post نظرات وتأملات في خصائص سورة الكهف

نظرات وتأملات في خصائص سورة الكهف
عند تلاوتنا وتدبرنا للقرآن لابد من استشعار أن هذا كلام الله عز وجل، تكلم به حقيقة هدى لأهل الأرض.هذا يعطي إجلال وهيبة وهمة عالية لتلاوته وتدارسه للعمل به ، أنزله الله سبحانه وتعالى من السماء إلينا لنتمسك به.
قال صلى الله عليه وسلم
" إنَّ هذا القرآنَ سببٌ طرفُه بيدِ اللهِ ، و طرفُه بأيديكم ، فتمسَّكوا به ؛ فإنكم لن تضِلُّوا ولن تهلِكوا بعده أبدًا "الراوي : أبو شريح العدوي خويلد بن عمرو -المحدث : الألباني -المصدر : صحيح الترغيب الصفحة أو الرقم: 38 خلاصة -حكم المحدث : صحيح .

سببٌ: بمعنى حبل . استشعار الإنسان الذي يغرق، استشعار الإنسان في الفتن أن
الله أنزل إليه سببًا، أنزل إليه حبلًا ،فتمسك بالحبل، كشعورك كمن كان في سفينة ثم سقط منها في البحر والرياح والأمواج تتلاطمه ،ثم نزل إليه سبب ؛حبل،كيف يتعامل مع هذا السبب؟ يتمسك به،فكذلك ينبغي للإنسان أن يتعامل مع القرآن بهذه الطريقة ، أن الله سبحانه وتعالى أنزل إليه هذا السبب؛هذا الحبل في وسط الظلمات؛في وسط الفتن ،قال تعالى"الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ "إبراهيم:1.

وقفات وتأملات في بعض خصائص سورة الكهف:

سورة الكهف سورة مكية تضمنت أربع قصص، يجمعها معنى واحد وهو الفتنة وأسباب النجاة منها.
ومن الملاحظ أن اسم السورة: الكهف، يناسب مقصودَها، فمقصود الكهف: سِترُ ووقاية من بداخله من الريحِ والمطرِ والشمسِ وغيرِها، ومقصود هذه السورة: الوقاية من الفتن المختلفة.
*الفتنة الأولى: فتنة الدين في قصة أهل الكهف، "إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ" شباب آمنوا بربهم في أناس مشركين ، وعَلِمُوا حقَّ اللهِ تعالى في قوم جاهلين؛ فكان ذلك سببًا لفتنتهم في دينهم، فلم يستسلموا لقومِهم، ولم يتبعوهم في ضلالهم، بل أعلنوا توحيدهم لله تعالى، كما أعلنوا براءتهم مما يعبد قومهم."وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا "14."هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا"15.
ثم أَتْبَعُوا القولَ بالعملِ فَتَبَرَّؤُوا من المشركينَ واعتزلوهم، وآووا إلى الكهف فِرارًا بدينهم، فكان جزاؤهم في الدنيا تلك الكرامة العظيمة بنومتهم في الكهف ثلاثمئة سنة وازدادوا تسعًا في كهفهم، ونجاتهم من الكفار وكيدهم.
"
وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا"15.
وَقَوْله " وَيُهَيِّئ لَكُمْ مِنْ أَمْركُمْ مِرْفَقًا " يَقُول : وَيُيَسِّر لَكُمْ مِنْ أَمْركُمْ الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ مِنْ الْغَمّ وَالْكَرْب خَوْفًا مِنْكُمْ عَلَى أَنْفُسكُمْ وَدِينكُمْ مِرْفَقًا , وَيَعْنِي بِالْمِرْفَقِ : مَا تَرْتَفِقُونَ بِهِ مِنْ شَيْء .تفسير ابن كثير.
وفيما تقدم، أخبر أنهم دعوه بقولهم "إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا" 10. فجمعوا بين التبري من حولهم وقوتهم، والالتجاء إلى الله في صلاح أمرهم، ودعائه بذلك، وبين الثقة بالله أنه سيفعل ذلك، لا جرم أن الله نشر لهم من رحمته، وهيأ لهم من أمرهم مرفقًا، فحفظ أديانهم وأبدانهم، وجعلهم من آياته على خلقه، ونشر لهم من الثناء الحسن، ما هو من رحمته بهم، ويسر لهم كل سبب، حتى المحل الذي ناموا فيه، كان على غاية ما يمكن من الصيانة.تفسير السعدي.
ثم تشير الآيات إلى أسباب النجاة من فتنة الدين، بالثبات على المبدأ، وملازمة الصحبة الصالحة، مع مجانبة أهل الغفلة وأتباع الهوى، وتَذَكُّر الآخرة:
"
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا * وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا"الكهف:28-29.

*الفتنة الثانية: فتنة المال في قصة صاحب الجنتين الذي أسبغ الله عليه نِعَمَهُ، فكفر بأنعمِ اللهِ ونسيَ أمرَ الساعةِ، وتكبر على الناس بمالِه، فأذهب الله تعالى زهرة جنته، وجعلها خرابًا ً،"وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا" الكهف:42. يقول ماذا؟ هل تمنى جنة أخرى؟ أو جنة أحسن منها؟ لا، لقد أيقن أن الأرض كلها لا تساوي شيئا مع الشرك بالله، فقال"يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا"الكهف:42. فالحمد لله الذي جعلنا من عباده المؤمنين، وما جعلنا من المشركين.
إن فتنة المال من أعظم الفتن قديمًا وحديثًا، وزادت الفتنة به في هذا العصر بسبب سيادة النظم الرأسمالية على أسواق المال والأعمال في العالم.
فمَنْ فُتِنَ بالمالِ فعطَّلَ الفرائضَ، وجاوزَ الحلالَ إلى الحرامِ، فليأخذ عبرة وعظة من قصة صاحب الجنتين، ولينظر في ما بعدها من آيات تبين سبيل النجاة من فتنة المال، بالقناعة والزهد وفهم حقيقة الدنيا وغرورها، وتذكر الآخرة
"وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا"الكهف:45-46.
ولينظر بعدها إلى الدار بالآخرة وشدة الحساب والكتاب الذي يُحصِي الصغيرةَ والكبيرةَ؛ كما يُحصِي التجارُ في الدنيا المالَ ويرصدونَهُ.

*الفتنة الثالثة: فتنة العلم في قصة موسى عليه السلام مع الْخَضِر وكان موسى عليه السلام ظنّ أنه أعلم أهل الأرض، فأوحى له الله تعالى بأن هناك من هو أعلم منه فذهب للقائه والتعلم منه، فلم يصبر على ما فعله الْخَضِر لقصور علمه عن الحكمة في أفعاله.
ثم تأتي آية العصمة من فتنة العلم بنسبته لله –تعالى- وبالتواضع للحق والخلق، وعدم الغرور بالعلم، فها هو الْخَضِر -عليه السلام- لم يغترَّ بعلمه، بل نسب ذلك إلى الله تعالى؛ اعترافا بفضله وحمدا له فقال"رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي"الكهف:82. ويتواضع له موسى بقوله"قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا"الكهف:69.

الفتنة الرابعة: فتنة السلطان في قصة ذي القرنين، الملك العادل الذي مَلَكَ مشارقَ الأرضِ ومغاربَهَا، وآتاه الله تعالى من كل شيء سببًا.
إنها فتنة السلطان الغالب والقوة القاهرة، التي تقود إلى البطش والظلم والأثرة، ونجد علاج هذه الفتنة في صفات هذا الملك الصالح الذي لم يتجبر بسلطانه، ولم يستعل على الناس بقوته؛ بل قام بإحقاق الحق وإزهاق الباطل وإقامة العدل، ورفع الظلم، ونصر المظلوم.
ثبت إيمانه وعدله في قوم ظهر عليهم وخيره الله –تعالى- فيهم، فحكم فيهم بحكم الشريعة العادلة"قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا"الكهف:88.
ثم ظهر تسخيره لسلطانه وقوته فيما طاعة الله، عندما مر بقوم من الترك شَكُوا إليه إغارة يأجوج ومأجوج عليهم، ورجوه أن يبني حاجزًا يحجزهم عنهم مقابل مال يدفعونه إليه، فتعفَّف عن جُعْلِهم، وبادر إلى نجدتهم وبناء السد، معترفًا بفضلِ اللهِ تعالى عليه بالسلطان والمال "قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا" الكهف:95.
وانظر إلى حُسن سياستِهِ حينما أشركهم في العمل والبناء، فلما تم البناء نسب الفضل في ذلك لله –تعالى- صاحب الفضل والرحمة "قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا"الكهف:98.
ومن اللطائف والحكم أن الفتن الأربع المذكورة في السورة اجتمعت في الدجال: فهو فتنة في الدين، إذ يفتن الناس في دينهم، ويدعوهم إلى الشرك، ويقهرهم عليه, وهو فتنة في المال إذ يمر بالخربة فتتبعه كنوزُهَا ويأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت, وهو فتنة في العلم إذ يخبر الرجل عن أبيه وأمه، ويقطع الرجل بسيفه حتى يمشي بين نصفيه ثم يدعوه فيأتي بأمر الله تعالى، وهو في فتنة في السلطان؛ إذ تدين له الممالك، ويعيث في الأرض فسادًا، وما من بلد إلا يبلغها سلطانه إلا مكة والمدينة.
فقراءة سورة الكهف تكون سببًا للنجاة من جميع فتن الدجال..ملتقى الخطباء.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 09-08-2020, 06:31 PM
الصورة الرمزية أم أبي التراب
أم أبي التراب أم أبي التراب غير متواجد حالياً
غفر الله لها
 
تاريخ التسجيل: May 2017
المشاركات: 3,429
Post

*من خصائص قراءة سورة الكهف: تَنَزُّل السَّكِينَة:
"كانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الكَهْفِ، وإلَى جانِبِهِ حِصانٌ مَرْبُوطٌ بشَطَنَيْنِ، فَتَغَشَّتْهُ سَحابَةٌ، فَجَعَلَتْ تَدْنُو وتَدْنُو وجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ، فَلَمَّا أصْبَحَ أتَى النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَذَكَرَ ذلكَ له فقالَ: تِلكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ بالقُرْآنِ."الراوي : البراء بن عازب -المصدر : صحيح البخاري

بشَطَنَيْنِ :شَطَنَِيْنِ:الحبْلُ الطويل يُسْتقَى به من البئر، أو تُشدُّ الدابةُ.المعجم.
تِلكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ بالقُرْآنِ:
أي: إنَّ هذه السَّحابةَ هي السَّكينةُ، أي: الملائكةُ وعليهمُ السَّكينةُ نزلوا يَستمعونَ لِلقرآنِ؛ ولذلك نَفَرَتِ الدَّابَّةُ لَمَّا رأتْهم، وهذا فيه فضلُ قِراءةِ القرآنِ وأنَّها سببُ نزولِ الرَّحمةِ وحضورِ الملائكةِ.

معنى السَّكِينَة لغةً واصطلاحًا :
معنى السَّكِينَة لغةً: أصل هذه المادة يدلُّ على خلاف الاضطراب والحركة، فالسُّكُونُ ضدُّ الحركة، يقال: سَكَنَ الشَّيء يَسْكُنُ سُكونًا، إذا ذهبت حركته، وكلُّ ما هَدَأَ فقد سَكَن، كالرِّيح والحَرِّ والبرد ونحو ذلك، وسَكَنَ الرَّجل سكت. والسكينة: الطمأنينة والاستقرار والرزانة والوقار. انظر: مقاييس اللغة لابن فارس :3/88، الصِّحاح للجوهري :1/323، لسان العرب لابن منظور: 13/211، المعجم الوسيط :1/440.
معنى السَّكِينَة اصطلاحًا: قال ابن القيِّم: هي الطُّمَأنِينة والوَقَار والسُّكون، الذي ينزِّله الله في قلب عبده عند اضطرابه من شدَّة المخاوف، فلا ينزعج بعد ذلك لما يَرِد عليه، ويوجب له زيادة الإيمان، وقوَّة اليقين والثَّبات.انظر: مدارج السالكين :2/503.
وقال الجرجانى: السَّكِينَة: ما يجده القلب من الطُّمَأنِينة عند تنزُّل الغيب، وهي نور في القلب يَسْكُن إلى شاهده ويطمئن.انظر: التعريفات :1/159.الدرر السنية .موسوعة الأخلاق.

قوله تعالى"ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ"التَّوبة: 26]، أي: أنزل عليهم ما يُسكِّنهم ويُذهب خوفهم، حتَّى اجترؤوا على قتال المشركين بعد أن ولَّوا . تفسير القرطبى :8/101.
قوله تعالى"إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا"التَّوبة: 40. قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فأنزل الله طمأنينته وسكونه على رسوله، وقد قيل: على أبي بكر، "وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا"، يقول: وقوَّاه بجنود من عنده من الملائكة، لم تروها أنتم "وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ"، وهي كلمة الشِّرك السُّفْلَى، لأنَّها قُهِرت وأُذِلَّت، وأبطلها الله تعالى، ومَحَق أهلها، وكلُّ مقهور ومغلوب فهو أسفل من الغالب، والغالب هو الأعلى. "وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا"، يقول: ودين الله وتوحيده وقول لا إله إلَّا الله، وهي كلمته "
الْعُلْيَا"، على الشِّرك وأهله، الغالبة . جامع البيان للطبري (5/326).
قوله تعالى"هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا"الفتح: 4. يقول تعالى"هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ" أي: جعل الطُّمَأنِينة. قاله ابن عبَّاس، وعنه: الرَّحمة.
قوله تعالى"لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا"الفتح: 18. وقوله"فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ" أي: من الصِّدق والوفاء، والسَّمع والطَّاعة، "فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ" وهي الطُّمَأنِينة،"وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا" وهو ما أجْرَى الله على أيديهم من الصُّلح بينهم وبين أعدائهم، وما حصل بذلك من الخير العام المستمر المتَّصل بفتح خيبر، وفتح مكة، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم عليهم، وما حصل لهم من العزِّ والنَّصر والرِّفعة في الدُّنيا والآخرة؛ ولهذا قال"وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا"الفتح: 18-1630: تفسير ابن كثير :7/336. الدرر.



وفي رواية أخرى أن الرجل هو أُسيد بن حُضير لكن لم يذكر اسم السورة:
*
أنَّ أُسَيْدَ بنَ حُضَيْرٍ بيْنَما هو لَيْلَةً يَقْرَأُ في مِرْبَدِهِ، إذْ جَالَتْ فَرَسُهُ، فَقَرَأَ، ثُمَّ جَالَتْ أُخْرَى، فَقَرَأَ، ثُمَّ جَالَتْ أَيْضًا، قالَ أُسَيْدٌ: فَخَشِيتُ أَنْ تَطَأَ يَحْيَى، فَقُمْتُ إلَيْهَا، فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ فَوْقَ رَأْسِي فِيهَا أَمْثَالُ السُّرُجِ، عَرَجَتْ في الجَوِّ حتَّى ما أَرَاهَا، قالَ: فَغَدَوْتُ علَى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، بيْنَما أَنَا البَارِحَةَ مِن جَوْفِ اللَّيْلِ أَقْرَأُ في مِرْبَدِي، إذْ جَالَتْ فَرَسِي، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: اقْرَأِ ابْنَ حُضَيْرٍ قالَ: فَقَرَأْتُ، ثُمَّ جَالَتْ أَيْضًا، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: اقْرَأِ ابْنَ حُضَيْرٍ، قالَ: فَقَرَأْتُ، ثُمَّ جَالَتْ أَيْضًا، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: اقْرَأِ ابْنَ حُضَيْرٍ، قالَ: فَانْصَرَفْتُ، وَكانَ يَحْيَى قَرِيبًا منها، خَشِيتُ أَنْ تَطَأَهُ، فَرَأَيْتُ مِثْلَ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ السُّرُجِ، عَرَجَتْ في الجَوِّ حتَّى ما أَرَاهَا، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: تِلكَ المَلَائِكَةُ كَانَتْ تَسْتَمِعُ لَكَ، ولو قَرَأْتَ لأَصْبَحَتْ يَرَاهَا النَّاسُ ما تَسْتَتِرُ منهمْ."الراوي : أبو سعيد الخدري- صحيح مسلم.
قال: تِلكَ المَلَائِكَةُ كَانَتْ تَسْتَمِعُ لَكَ" أي: قَرُبَتْ لِصوتِك، وكانَ أسيدٌ رضِي اللهُ عنه حسنَ الصوتِ.
"
ولو قَرَأْتَ أي: ولو دُمتَ على قِراءتكَ لأصبحَتِ الملائكةُ يَنظرُ الناسُ إليها لا تَتَوارى، أي: لا تَستِترُ منهم.
وفي الحديث: فَضيلةُ قِراءةِ القرآنِ وأنَّها سببُ نُزولِ الرحمةِ وحضورِ الملائكةِ.
وفيه: مَنْقَبَةٌ لأُسَيْدِ بنِ حُضَيرٍ رضِي اللهُ عنه، ....، وفضلُ الخشوعِ في الصَّلاةِ.الدرر.

وفي رواية أخرى في الصحيح أن الرجل هو أُسيد بن حُضير لكن كان يقرأ سورة البقرة وليس سورة الكهف:
قال البخاري في صحيحه : وَقَالَ اللَّيْثُ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ الهَادِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ ، قَالَ : بَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ سُورَةَ البَقَرَةِ ، وَفَرَسُهُ مَرْبُوطَةٌ عِنْدَهُ ، إِذْ جَالَتِ الفَرَسُ فَسَكَتَ فَسَكَتَتْ ، فَقَرَأَ فَجَالَتِ الفَرَسُ ، فَسَكَتَ وَسَكَتَتِ الفَرَسُ ، ثُمَّ قَرَأَ فَجَالَتِ الفَرَسُ فَانْصَرَفَ ، وَكَانَ ابْنُهُ يَحْيَى قَرِيبًا مِنْهَا ، فَأَشْفَقَ أَنْ تُصِيبَهُ فَلَمَّا اجْتَرَّهُ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ ، حَتَّى مَا يَرَاهَا ، فَلَمَّا أَصْبَحَ حَدَّثَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ ، اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ ، قَالَ : فَأَشْفَقْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ تَطَأَ يَحْيَى ، وَكَانَ مِنْهَا قَرِيبًا ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَانْصَرَفْتُ إِلَيْهِ ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ ، فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ المَصَابِيحِ ، فَخَرَجَتْ حَتَّى لاَ أَرَاهَا ، قَالَ : وَتَدْرِي مَا ذَاكَ ؟ ، قَالَ : لاَ ، قَالَ : تِلْكَ المَلاَئِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ ، وَلَوْ قَرَأْتَ لَأَصْبَحَتْ يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهَا ، لاَ تَتَوَارَى مِنْهُمْ "
صحيح البخاري/ كتاب فضائل القرآن/باب نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن/حديث رقم 4749.


*ومن خصائص قراءة سورة الكهف أيضًا أنها عِصْمَة ونور:
"ذكر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الدَّجَّالَ فقال إن يخرُجْ وأنا فيكم ! فأنا حجيجُه دونكم ، وإن يخرُجْ ولست فيكم ، فامرؤٌ حجيجُ نفسِه ، واللهُ خليفتي على كلِّ مسلمٍ ، فمن أدركه منكم فليقرَأْعليه فواتحَ سورةِ الكهفِ، فإنَّها جِوَارُكم من فتنتِه .............." الراوي : النواس بن سمعان الأنصاري -المحدث : الألباني -المصدر : صحيح أبي داود.

"مَن
حَفِظَ عَشْرَآياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ".
الراوي : أبو الدرداء -المصدر : صحيح مسلم.
حديث آخر:
"من قرأ الكهفَ كما أُنزِلَت كانت له نورًا يومَ القيامةِ من مَقامِه إلى مكةَ ، ومن قرأ عشرَ آياتٍ من آخرِها ثم خرج الدَّجالُ ؛ لم يُسلَّطْ عليه ، ومن توضأ ثم قال " سبحانك اللهم وبحمدِك ، لا إله إلا أنت ، أستغفرك أتوبُ إليك " ؛ كُتِبَ في رِقٍّ ، ثم طُبِعَ بطابعٍ فلم يُكسَرْ إلى يومِ القيامةِ " . عُصِم منالدَّجالِ"الراوي : أبو سعيد الخدري -المحدث : الألباني -المصدر : صحيح الترغيب- الصفحة أو الرقم1473-خلاصة حكم المحدث : صحيح لغيره .

، العلماء اختلفوا هل رواية العشر الأواخر شاذة والرواية الأولى هي الصحيحة ، أم يجوزالعمل بكلاهما ؟. بعض العلماء قالوا تثبت العشر الأولى والأخيرة كأنه يستحثك على حفظ السورة ككل ،لأن من يحفظ أول عشر آيات من سورة الكهف لن يتمالك نفسَهُ ويكمل السورة ، وبعضهم قال :لا العشر آيات المنصوص عليها لها غرض وحاولوا يستنبطوا المعاني الموجودة في أول عشرة، وحاولوا يستنبطوا الموجودة في آخر عشرة ،وما علاقة هذه المعاني بفتنة الدجال.
"من قرأسورةَ الكهفِ في يومِ الجمعةِ ، أضاء له من النورِ ما بين الجمُعتَينِ "الراوي : أبو سعيد الخدري- المحدث : الألباني-المصدر : صحيح الجامع -الصفحة أو الرقم: 6470 خلاصة حكم المحدث : صحيح.

ما خرجنا به حتى الآن من خصائص سورة الكهف من خلال الأدلة:
السكينة لقراءة سورة الكهف والقرآن عامة ، والعصمة من الدجال ،النور
، فمن الأفكار المحورية في فتنة الدجال عكس الأمور ،أي أنك ترى الأشياء عكس حقيقتها، لكن المؤمن عنده القدرة أن يرى الأشياء على حقيقتها.المؤمن لما يرى الدجال يستطيع أن يرى على رأس الدجال كلمة كافر .قال صلى الله عليه وسلم "مَكْتُوبٌ بيْنَ عَيْنَيْهِ كافِرٌ، يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، كاتِبٍ وغَيْرِ كاتِبٍ".فقراءة الفتنة تحتاج إلى إيمان، فالفكرة المحورية في السورة هي أن تكون عندك القدرة على قراءة الفتنة،أنك تعرف أن هذه فتنة فلا تفتن ، هذه من أهم الأفكار المحورية لسورة الكهف التي تعطيك النور تعطيك النور لترى به هذا الذهب المموه ، تعطيك الخلفية التي تبصر بها أن هذه الجنة نار ، أنك ترى ما وراءها من نار.

لذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم " "حُفَّتِ الجَنَّةُ بالمَكارِهِ، وحُفَّتِ النَّارُ بالشَّهَواتِ."الراوي : أنس بن مالك- المصدر : صحيح مسلم

فالناس التي تركز على الشهوات لن ترى النار ،لكن المؤمن الذي عنده بصيرة يستطيع أن يرى النار من خلف الشهوات.
وفي رواية "حُجِبَتِ النَّارُ بالشَّهَواتِ، وحُجِبَتِ الجَنَّةُ بالمَكارِهِ."
الراوي : أبو هريرة-المصدر : صحيح البخاري .
فهنا حجاب من المكاره يحجبه عن النار . فالذي عنده بصيرة ونور فإنه عنده بصيرة يرى بها الجنة من خلف هذه المكاره ،فممكن ترى شخص يعمل كل ما يريد ؛ أي معصية تخطر بباله يعملها ، فيظن أنه مُنَعَم ، وأمام الناس الذي يقفعل عكس ذلك الذي يمنع نفسه من الشهوات من الأغاني من الزنا من الاختلاط المُحَرَّم يمنع نفسه من أكل المال حرام ، يعتبروه يعيش في كرب وحرمان وكبد، يعتبروه محروم وفي نار ،لكن من كان مؤمنًا حقًا يشعر مع هذا الحرمان عن ما حرم الله؛ يشعر أنه في جنة،فهذا يحتاج إلى بصيرة ومعايشة ومجاهدة، وحتى لو عاش في تعب الدنيا فهو يشتاق لجنة الآخرة قال تعالى " إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا " النساء : 10.
يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ : يعني كأنها نار حقيقية لأن مآلها النار ،حتى لو لم يحدث له أي عذاب في الدنيا بمرض وغيره سيعاقب عليها في الآخرة .
لكن المؤمن يبصر الفتنة" يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، كاتِبٍ وغَيْرِ كاتِبٍ."
فتكون عنده البصيرة ليرى النار من وراء جنة الدجال ويرى الجنة من وراء نار الدجال، وتكون عنده القدرة على الاختيار أي على اختيار نار الدجال ويقتحمها ،
اقتحمها لو تباطأتولبثتَ تفكر فيها كثير لن تدخلها ، توجد قرارات في الدين في حياتك لا يصلح التباطؤ فيها ولا التفكير ،اقتحم لأنك لما بتفكر لا تفكر وحدك بتفكر ومعك الشيطان ،فعمل الآخرة لابد فيه من المسارعة .الله يحب السكينة والتؤدة لكن لابد من المسارعة في عمل الآخرة.
"التُؤْدَةُ في كلِّ شيءٍ ، إلا في عملِ الآخرةِ".الراوي : سعد بن أبي وقاص-المحدث : الألباني-المصدر : صحيح أبي داود.

قال تعالى"وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ" آل عمران :133.
فعليك أن تسارع ،لأن الإنسان يعتريه الكسل ،يعتريه الضعف فعليه أن يبادر ،قال صلى الله عليه وسلم:
"بَادِرُوابالأعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا."الراوي : أبو هريرة - المصدر : صحيح مسلم.
أنت محتاج عندما ترى فتنة كبيرة مثل الدجال تحتاج السكينة لتواجه الموقف، قد يقول قائل أنت تتكلم عن الدجال والحل أحفظ أول عشر آيات لأتقي فتنته، قف؛من الذي سيعطيك السكينة ، ممكن أول ما ترى الدجال تنسى سورة الكهف من هول الموقف، تنسى كل شيء ، قال صلى الله عليه وسلم "من سمِع بالدَّجَّالِ فلينْأَ عنه ، فواللهِ إنَّ الرَّجلَ ليأتيه وهو يحسَبُ أنَّه مؤمنٌ فيَتَبِعه ممَّا يبعثُ به من الشُّبهاتِ ، أو لما يُبعَثُ به من الشُّبهاتِ"الراوي : عمران بن الحصين-المحدث : الألباني-المصدر : صحيح أبي داود.
فلينْأَ عنه: أي يبتعد عنه .قد يقول أذهب وأرى الدجال فيفتن به، كما يفعل البعض ويذهب ليرى شبهات الملحدين وهو يسخر منهم ثم يفتن ويصير مثلهم. فأحيانًا الإنسان يظن في نفسه الثبات فيفتن حين يرى الفتنة .فالبعد عن مواطن الفتن والأذى من العقل الإيماني وليس ضعف، فمن يبعد عن أماكن انتشار العدوى هذا من العقل.

لذا نهى النبي عن تمني لقاء العدو ، فهو فتنة .
"أيُّها النَّاسُ، لا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وسَلُوا اللَّهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، و..........."الراوي : عبدالله بن أبي أوفى -صحيح البخاري

إذن رؤية الدجال تحتاج إلى سكينة وتحتاج إلى نور لمواجهة هذه الفتنة ..
"الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا "الكهف:46.
"إنما أموالكم وأولادكم فتنةٌ واللهُ عندهُ أجرٌ عظيمٌ "التغابن : 15
والإنسان الراشد هو الذي يعرف يتعامل مع الزينة دون فتنة .

الخطورة أحيانًا أن الظلام عكس النور، لكن تكون الدنيا مظلمة ،النفس تنفر من الظلام، الإشكال في النور المتوهج الإشكال في الزينة والزخرف ،الإشكال في التمويه ، يعني لو قطعة حديد أو صفيح ،خلاص أنت تعرف أنها هكذا لا قيمة لها ، الإشكال في الدجال والمنافق، الكافر والمشرك خلاص اتعرف أنه مشرك، لكن المشكلة في المنافق ، فكذلك هنا الإشكال في الشيء المُزَيَّن ، لأنه بيفتن الناس ، الزينة تحتاج للتعامل معها إلى رَشَد.
، المواطن الثلاثة التي ذكرت فيها الزينة في سورة الكهف :


"إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا" الكهف :7.
"وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا "الكهف: 28.
"الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا "الكهف:46.
هذه هي المواطن الثلاثة في سورة الكهف لكلمة الزينة .
مواطن الرَّشد في سورة الكهف :
"إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا "الكهف:10.
"وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا " الكهف : 17.
"وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا " الكهف:24 .

"قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا" الكهف : 66.
آية عشرة آخر كلمة فيها : رَشَدًا:
"إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا "الكهف:10.
"إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا "7" وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا"8.

الزينة تتحول لصعيد جُرز ." جُرُزًا "يابسًا أملس لا ينبت شيئًا . يقال : جرزت الأرض إذا أكل نباتها . أي كل هذه الزينة ستذهب وتفنى ، فهم هذه الحقيقة يحتاج إلى رشد وبصيرة، لذلك فأول ما وضعوا في موطن البلاء قالوا" فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا " فَهْم هذه الآية والتمسك بها ومعايشتها وأنها تكون شعار في حياتنا ... فأي بلاء تقع فيه فلابد تعتقد أن كله من عند الله وأنك تحتاج إلى رَشدا

أول ما تقع في الفتنة أو البلاء فاستعن بالله واسأل الله أن يرزقك الرشد .

مثال: كعب بن مالك لما تخلف وصاحبيه عن غزوة تبوك ، لما عاد النبي صلى الله عليه وسلم من الغزوة كانت عقوبته لهم هجرهم وعدم التكلم معهم، لا أحد يكلمهم ، تخيل أنك عايش في مجتمع كل الذي تحبه لا يكلمك ، حتى لدرجة أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول له اعتزل زوجتك ، ولم يكن كعب رضي الله عنه متحملا للموقف فكان ينزل للمسجد ويسلم ولايرد عليه أحد لا الرسول عليه الصلاة والسلام ولا غيره ، فذهب لابن عمه أبي قتادة وصعد على السور وقال يأبا قتادة أتعلم أني أحب الله ورسوله فلم يرد عليه ، كرر عليه السؤال فقال له الله ورسوله أعلم ، فبكى كعب . تخيل أنك في مجتمع وتمر بأزمة رهيبة ،أزمة اجتماعية ،لا يكلمك أحد ولا يشغلك حتى زوجتك تتركك ،كل هذا وفجأة تجيئك رسالة مزخرفة ،جيالك من ملك غسان ، يقول فيها :بلغنا أن صاحبك قد جافاك ؛الحق بنا نواسك ، لو أحد جاءته هذه الرسالة في هذه الأجواء يظنها نجاة له ويشكر الله عليها وأن الله لا يضيع أحد وأنها نتيجة الصبر ، وينظر إليها على أنها نجاة ، لكن كعب رأى فيها الفتنة وليست نجاة ، وطالما اعتبرها فتنة لم يتركها بجانبه وكل شوية ينظر فيها ولو مذهبة أو معطرة يشم رائحتها ويقرأها مرة أخرى ، ماذا فعل فيها؟ أحرقها بالنار وقال هذا أيضًا من البلاء ، كيف تعرف أن فيها فتنة ، هذه تحتاج بصيرة تحتاج نور ،سورة الكهف المفروض أنها تعطيك ذلك ،تعطيك النور، تعطيك أنك ترى الزينة ، تشعر أن الدنيا لا تستحق كله سيتحول إلى جرز "وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا"أصحاب الكهف لما فهموا ذلك تركوا واقع الزينة الذي كانوا فيها ،بواقع الثراء والقصور، تركوا كل هذا واتجهوا من قصر إلى كهف .
وإذا قيل نحن عندنا شهوات. نعم نحن عندنا شهوات وشبهات ،لكن الفكرة في الطغيان ، طغيانا طغيان مادي أكثر ،يعني أول آية نزلت " اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ" ثم قال تعالى " كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى" العلق: 6. لأن العلم قد يؤدي إلى طغيان ، وقد يؤدي إلى آخر السورة " وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب" العلق : 19.
سورة الكهف من البداية تذكرك بالحمد "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا" فأنت من أول لحظة تقول الحمد لله أن معي سبيل النجاة من هذه الفتن عن طريق التمسك بكتاب الله سبحانه وتعالى .فكأن الحل قبل الفتنة ، فالله أعطاك الحل حتى قبل أن تقرأ بقية السورة.
لينذر ، ويبشر : لأن الإنسان عاطفي،الخطاب العقلي فقط مع الإنسان ليس كافيًا الناس تقول الحل في الإقناع ،لا الحل في الإقناع ليس كاف لابد يسمع وعظ ، النفس لن تنقاد للطاعة إلا لما يكون عندها مشاعر خوف ورجاء ، يعني مجرد أنك تعلم أن هذا الشيء مُضر ممكن تعمله لكن بمجرد ما تخاف على صحتك بالفعل تقلع عنه وتتركه .فمشاعرك تحركك أكثر من عقلك ، فالإنسان في صراع بين العقل والنفس وغالبًا النفس هي التي تكسب، أنت تبقى عارف أن هذا خطأ لكن نفسك تشتهيه ، قلة قليلة من البشر التي تجعل عقولهم تتحكم في نفوسهم، هؤلاء هم أصحاب الرُّشد .
*التحذير من: خطورة الكلمات الكافرة والعقائد الباطلة:
قال تعالى"مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا" الكهف:5.
الكلمة التي هي ماذا؟ "قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا" الكهف:4.هذه الكلمة العظيمة عند الله الآن تروج على أسنة ملايين من البشر .
كلمة عظيمة عند الله "تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا* أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا "مريم : 91- 90.
خطورة الكلام الكذب،خطورة العقائد الباطلة، كلمة واحدة ضل بها ملايين .لذا يجب مقابلة الكلام الباطل بكلام الحق .
لذا لما تناقش النصارى لا تناقش الفروع،الأوْلَى تناقش في الكلام العملي ناقش الأصول " اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا"
إنا جعلنا ما على الأرض زينة، ثم كل زينة على الأرض ستذهب، الشباب والجمال سيذهب ،كل شيء سيفنى ، النبي صلى الله عليه وسلم يقول " تَقِيءُ الأرْضُ أفْلاذَ كَبِدِها، أمْثالَ الأُسْطُوانِ مِنَ الذَّهَبِ والْفِضَّةِ، فَيَجِيءُ القاتِلُ فيَقولُ: في هذا قَتَلْتُ، ويَجِيءُ القاطِعُ فيَقولُ: في هذا قَطَعْتُ رَحِمِي، ويَجِيءُ السَّارِقُ فيَقولُ: في هذا قُطِعَتْ يَدِي، ثُمَّ يَدَعُونَهُ فلا يَأْخُذُونَ منه شيئًا."الراوي : أبو هريرة -صحيح مسلم .

"وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ"التكوير:4.كل شيء له قيمة عُطل.

أي الأرض تخرج ما بداخلها من كنوز من الذهب والفضة، والناس تمشي ، وأمامهم الذهب والفضة لا يهتمون به ،فكل شيء له قيمة عُطِلَ ، القاتِلُ فيَقولُ: في هذا قَتَلْتُ: يعني من أجل هذا الذهب قتلت – يستقل السبب - ويَجِيءُ القاطِعُ فيَقولُ: في هذا قَطَعْتُ رَحِمِي: : يعني من أجل هذا الذهب قطعت رحمي – يستقل السبب، ويَجِيءُ السَّارِقُ فيَقولُ: في هذا قُطِعَتْ يَدِي.... ثم يتركونه ويذهبون ، ليس له قيمة في ذلك الوقت العصيب .

"من كانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لأخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْها، فإنَّه ليسَ ثَمَّ دِينارٌولادِرْهَمٌ، مِن قَبْلِ أنْ يُؤْخَذَ لأخِيهِ مِن حَسَناتِهِ، فإنْ لَمْ يَكُنْ له حَسَناتٌ أُخِذَ مِن سَيِّئاتِ أخِيهِ فَطُرِحَتْ عليه".الراوي : أبو هريرة - صحيح البخاري.
الشاهد أن هذا الأمر سيفنى قال إبراهيم عليه السلام" قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ" الأنعام : 76 . فأي شيء سيفنى يجب ألا يكون موطن تعَلّق ، لذلك جاءت الزينة بعدها مباشرة جاءت جرزًا

قال تعالى"أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا" الكهف : 9.فالله قادر على كل شيء فلا تعجب من شيء .

تنبيه: ممكن تجدوا أحد مضعف حديث قراءة سورة الكهف يوم الجمعة ، حديث السينكة ثابت وحديث العصمة من الدجال ثابت ، حديث قراءتها يوم الجمعة فيه خلاف لذا نأخذ بتحقيق الشيخ الألباني.

أمامك أربع قصص: الأولى النجاة في الاعتزال والصمت "أصحاب الكهف" "إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا" الكهف:20.

فهنا في مرحلة استضعاف.

ثم بدأ يُفتَح باب الدعوة لكن مازالوا مستضعفين ،

قصة صاحب الجنتين المشرك مع الآخر الفقير المؤمن هو مستضعف لكن مسموح له بقسط من الدعوة .

ثم القصة الرابعة : ذو القرنين قمة التمكين ؛ شرقًا وغربًا ،

وتوجد قصة نقلة، ليس لها علاقة بالاستضعاف والتمكين قصة موسى والخَضر وطلب العلم ، هذه قصة عجيبة ،مسألة القدر شيء عجيب.
لو اعتبرنا الأربع قصص هي مراحل تمر بها الأمة

الخضر قال كلمة لموسى تصلح قاعدة، قال له أنت على علم علمكه الله لست أعلمه ، وأنا على علم علمنيه الله لست تعلمه، هذا مهم أني أعترف بفضلك وأنسبه لربنا، وأعترف أنني محتاج لك، وأنا عندي مميزات بفضل ربنا ؛ ليست عندك، وغياب هذا يؤدي إلى حالة التنافر والتناحر . والمرور يكون عبر أقدار ممكن لا نفهمها ، مثل خرق السفينة، وقتل الغلام ، وإقامة جدار.

الشاهد أنك لما تقرأ السورة أسبوعيًا أي كان الوضع الذي تمر به الأمة الإسلامية إستضعاف أو تمكين ، أنت بتقرأ لأنك مطالب بنوع من أنواع العبادة ، يعني لايوجد شيء اسمه سنتعبد بالاستضعاف فقط دون التمكين أو العكس ، لا، السورة تبين لك أن أي كان الحال الذي تمر به الأمة المسلمة مطالب أنك تتعبد . السورة مليئة بالحركة، فالجزء الأول قصة أصحاب الكهف ذهبوا وتكلموا وقالو " وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا"الكهف 14. ثم تركوهم وذهبوا الكهف ، ثم صاحب الجنتين دخل معه جنته وأخذ يدعوه ، ثم موسى عليه السلام سافر "وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا" الكهف 60 .
ثم ذو القرنين يتحرك شرقًا وغربًا ، السورة كلها مليئة بالحركة ،فأنت لابد أن تتحرك لنصرة هذا الدين،تبذل تتحرك. " وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ " النساء: 100.

الشاهد أن كل قصة من القصص تعطي معنى معين، بحيث لما تمر على القصص بصورة مستمرة تشعر أن أنواع العبادات مختلفة ، أنك ممكن تضرب بسهم في أي نوع من أنواع العبادات .
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 09-09-2020, 09:47 PM
الصورة الرمزية أم أبي التراب
أم أبي التراب أم أبي التراب غير متواجد حالياً
غفر الله لها
 
تاريخ التسجيل: May 2017
المشاركات: 3,429
Post



حصول العصمة بفواتح سورة الكهف أم بخواتيمها؟

"مَن حَفِظَ عَشْرَآياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ".الراوي : أبو الدرداء -المصدر : صحيح مسلم.
"

ومن قرأ عشرَ آياتٍ من آخرِها ثم خرج الدَّجالُ ؛ لم يُسلَّطْ عليه "الراوي : أبو سعيد الخدري -المحدث : الألباني -المصدر : صحيح الترغيب- الصفحة أو الرقم:1473-خلاصة حكم المحدث : صحيح لغيره .
-الترجيح من جهة السند والطريق.

قال ابن القيم رحمه الله في كتابه جلاء الأفهام :
"ومن ذلك ما ثبت عن النبي انه قال
مَن حَفِظَ عَشْرَ آياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ. رواه مسلم واختلف فيه فقال بعض الرواة من أول سورة الكهف وقال بعضهم من آخرها وكلاهما في الصحيح لكن الترجيح لمن قال من أول سورة الكهف لأن في صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان في قصة الدجال فإذا رأيتموه فاقرؤوا عليه فواتح سورة الكهف ولم يختلف في ذلك وهذا يدل على أن من روى العشر من أول السورة حفظ الحديث ومن روى من اخرها لم يحفظه . 379-من طبعة دار عالم الفوائد التي أشرف عليها الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله.

الترجيح من جهة المتن والمعنى
*حصول العصمة بفواتح سورة الكهف أو خواتيمها: الأصل فيه أن يكون لوجود مناسبة بين مدلول الآيات وفتنة الدجال، ومن الجائز أن يكون لمحض التعبد، أو لصرف الإرادة الإلهية القاضية بجعل بعض القران عاصما من الدجال دون بعضه، مع حصول التساوي بين جميع القران؛ فيكون تخصيص بعض الآيات دون بعض يعود لتخصيص تعبدي غير معقول المعنى، والأصل أن يكون التخصيص راجعا لمعنى مناسب.
ومتى أمكن العثور على المناسبة لم تجز الصيرورة إلى ما يضادها، لأنه يلزم منه اعتماد ما يكون مخالفا للأصل، مع قيام القرينة الدالة على إحراز المناسبة الموافقة للأصل.
والراجح أن العصمة تحصل بفواتح السورة، لا بخواتمها،
للأدلة التالية:
1- أن فواتحها تتحدث عن فرار الفتية بدينهم من فتنة الملك، واعتصامهم بالكهف المانع من اطلاع الملك عليهم.
وهو يناسب تمام المناسبة حال فرار المؤمنين من المسيح الدجال، واعتصامهم بالجبال عنه.
كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال:" ليَفِرَّنَّ الناسُ من الدجال في الجبال"
فحصل التشابه بينهم في العلة الموجبة للفرار، وفي العلة الغائية من الفرار، وفي طريقة التحصن والاعتصام.
فالعلة الموجبة للفرار هي خوف الفتنة والقتل، والعلة الغائية من الفرار هي تحصيل السلامة في الدين، وطريقة التحصن هي الاعتصام بالجبال، وكهوف الجبال.
فأولئك فروا بدينهم وهولاء فروا بدينهم، وأولئك فروا من أجل فتنة الملك، وهولاء فروا من أجل فتنة الدجال، وأولئك اعتصموا بكهف في جبل، وهولاء اعتصموا بالجبال.
2- أن الله يأمر الأرض- قبل خروج الدجال- فَتَحْبِسُ نَبَاتَهَا كُلَّهُ، فَلا تُنْبِتُ خَضْرَاءَ، كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك.
وقد قال الله في فواتح السورة" إنا جاعلون ما عليها صعيدا جرزا"
وهذا وإن كان يوم القيامة إلا أنه لا يخلو من مناسبة، فظهور الدجال من إرهاصات الساعة.
3- أن الآية العاشرة مختومة بدعاء يناسب حال الفارين من الدجال" ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا".
ثم قال تعالى " فضربنا على أذانهم في الكهف سنين عددا" فكان هذا الضرب منه على آذانهم من رحمته لهم، ولما كانت الرحمة الصادرة في حقهم مغايرة للرحمة الحاصلة لأمة محمد لم يناسب أن تكون هذه الآية من جملة الآيات المتلوة على الدجال.
فالخلاص من فتنة الدجال يكون بقتله بحربة المسيح عليه السلام، وهذا رحمة من الله ولكنها مغايرة للرحمة التي حصلت للفتية.
4- أن تلاوة هذه الآيات وحفظها يستدعي استحضار ما انتهى إليه أمر الفتية الذين تمسكوا بدينهم، من حصول ألطاف الله لهم، ونجاتهم من فتنة الملك، والثناء الباقي لهم بعد موتهم، فيحصل عند المتعرضين لفتنة الدجال من الثقة بالله، واليقين بأن العاقبة للمتقين، ومن الإيمان ما يكون سببا لثباتهم على الحق.
5- أنها لو كانت خواتيم الكهف لكان بداية الآيات العشر هي قوله تعالى" الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا"
وهي صفة لموصوف قبلها، ولا يحسن البداءة بصفة مقطوعة عن موصوفها.

6- دل الاستقراء على اعتبار المطابقة بين مدلول الآيات ومقتضى الحال، كالتحصن بالمعوذات المناسب مدلولها لدفع شر المخلوقات، وبين مدلول الآيات والفضل المترتب عليها، فدل على اعتبار جنس المناسبة في جنس مقتضى الحال، كقراءة الآيات التي تناسب المسحور، أو الآيات المناسبة لتعسر الولادة، وغير ذلك.
فقد ثبت الدليل على قيام المناسبة بين مدلول الآيات الخاصة مع مقتضى الحال، في وقائع معينة، وهو موجب لتوريث الظن باعتبار جنس المناسبة في جنس المقتضى للحال، كما لو دلت وقائع محصورة ثابتة عن المشرع على استخدام أداة القياس للتوصل إلى الحكم الشرعي، كان ذلك دليلا على صلاحية جنس القياس كأداة لاستفادة الأحكام الشرعية، ولم يكن ذلك مختصا بتلك الوقائع.
وكما لو ثبت بناء بعض الأحكام الشريعة على سد الذريعة، في أحكام خاصة، كان ذلك دليلا على اعتبار جنس سد الذرائع في بناء الأحكام، ولم يكن ذلك مقصورا على تلك الموارد، كما يقول به من يمنع بناء الأحكام على عنوان سد الذريعة.
والمقصود هنا: أنه قد حصلت المناسبة بين فواتح السورة مع مقتضى الحال، ولم تحصل المناسبة مع خواتيم السورة، فكان هذا مسوغا للترجيح.
فهذا ترجيح من جهة المتن والمعنى، وذاك ترجيح من جهة السند والطريق.
ملتقى أهل الحديث.

رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة




الساعة الآن 05:01 AM


Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2020 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved. تركيب: استضافة صوت مصر